فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 1363

هذا المجتمع كسفينة كما ضرب المثل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مثل القائم في حدود الله والواقع فيها -القائم أي: على الأمور كما ينبغي، ومثل الواقعين أي: المرتكبين لما حرم الله- كمثل قوم استهموا في سفينة فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها } فكون هذا الإنسان مسئول وكون هذا الإنسان أقل، هذا مثل الاستهام في القدر، والله تبارك وتعالى هو الذي يقدر، وإلا كم من مسئول برتبة كبيرة ودونه إنسان أقل منه لكنه أكثر منه عقلًا أو ذكاءً أو علمًا، فالغنى والمنصب وأمثال ذلك كلها بتوفيق وبقدر من الله تبارك وتعالى، فلا يتكبر أحد على أحد نتيجة ماله أو منصبه، فإنما هي مثل الأسهم، كأنهم استهموا فكان هؤلاء في أعلاها وهؤلاء في أسفلها.

فهذه السفينة إذا خرقت من أي مكان فإنها تغرق جميعًا، ولهذا نقول: إن من يعصي الله تبارك وتعالى فإنه يعكر على نفسه وعلى مجتمعة كله، بالتبرج أو بالربا أو بالزنا أو بالاختلاط أو بالخمر، أو بأي معصية مما حرم الله تبارك وتعالى.

{ فكان الذين أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، } أي: إذا أرادوا أن يحققوا أي أمر يأخذونه عن طريق الذين في القمة الذين هم مسئولون عن إعطائهم هذا الحق وهذا الأمر وهذا المطلب، فقالوا: {فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا } لماذا نصعد إلى أعلى والماء عندنا هنا قريب؟! فلو خرقنا هاهنا لأخذنا الماء من قريب، وهكذا كل إنسان، إذا أراد أن يعف نفسه عن الشهوة -مثلًا- شرع الله تبارك وتعالى له أن يتزوج، والزواج يحتاج إلى صعود إلى فوق، كأن تذهب وتبحث عن الفتاة المؤمنة ثم تدفع المهر، ثم تذهب إلى من يعقد، فهذا فيه صعود إلى أعلى، لكن الزنا قريب ولا يتطلب هذا الطلوع، لكن ما هو الحال وما هي النتيجة بعد ذلك.

{ فإن أخذوا على أيديهم نجو ونجو جميعًا } فالطبقة التي هي مسئولة عن الأمن، ومسئولة عن المجتمع ومنهم الأب والأم -الزوجة راعية أيضًا في بيت زوجها- إن أخذوا على أيديهم نجو جميعًا، { وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعًا } ولكن إن تركوهم فخرقوا السفينة غرقوا، ولو كانت السفينة طولها ألف متر أو أكثر وحفرت في ركن من أركانها لغرقت جميعًا، فلا يقول إنسان: أنا هنا بعيد لن يصيبني شيء، وذاك الذي يعصى الله تبارك وتعالى بعيد هناك، لا، بل يجب إذا أردنا الأمن والرخاء لأمتنا ولأنفسنا أن نكون يدًا واحدة على تقوى الله تبارك وتعالى، ويدًا واحدة على طاعة الله تبارك وتعالى، ونحقق الإيمان في قلوبنا ونحقق ما أمر الله تبارك وتعالى به ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحينئذٍ تكون السعادة وتكون الطمأنينة، ويتبدل الحال بعد الذل عزًا، وبعد الفرقة اجتماعًا، وبعد الشدة رخاءً، وبعد القحط غيثًا ورحمةً.

وهذا من فضل الله تبارك وتعالى أن جعل الله تبارك وتعالى باب التوبة مفتوحًا لأعدى أعدائه، فما ظنكم بمن يأتي بالمؤمنين الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله فيخد الأخاديد -الحفر العميقة- ويلقي النار فيها ويلهبها، ثم يقذف بهم وهم أحياء في هذه النار، وانظروا إلى هذا الذي يحارب الجبار -سبحانه وتعالى- بهذا النوع من أنواع الحرب، يحرق أولياءه وهم أحياء، ومع هذا يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج:10] ثم لم يتوبوا: سبحان الله! يعرض الله التوبة حتى على أعدى أعدائه، فما بالكم بأوليائه الذين غرقوا في الغفلة، وأطغتهم النعمة وبطروا معيشتهم ونسوا أوامر الله تبارك وتعالى، وتراخوا في تطبيق أوامره، مع أنهم لم يشركوا بالله، ولم يرضوا ولم يجاهروا حد المجاهرة الواضحة، فما بالكم بأوليائه! إذًا هم أحوج إلى التوبة، وفي نفس الوقت هم أقرب إلى أن ينالهم رضا الله ورحمته تبارك وتعالى، فلا نيأس من رحمة الله ومن روح الله تبارك وتعالى، ولا نيأس من إصلاح مجتمعنا، وإعادته إلى مثل ما كان عليه مجتمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأمن والطمأنينة، لأننا إذا بذلنا الجهد الصحيح، والحكمة والموعظة الحسنة، والنصيحة تلو النصيحة، وأخلصنا العمل لله سبحانه، وتبنا إلى الله فإن الله تبارك وتعالى يغيثنا بالإيمان في قلوبنا، وبالمطر والرحمة في أوطاننا، وبالأمن الذي هو النعمة التي يفقدها العالم اليوم، ولا يغني عنها أية نعمة من النعم، ولا يجدي ولا ينفع مع فقدانها أي رغد ولا أي نوع من أنواع الحضارة والتقدم.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم للإيمان والعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله تبارك وتعالى، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه سميع مجيب.

ونسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا جميعًا بما نسمع وبما نقول.

الفرق بين الأمن والأمن من مكر الله

السؤال: ما هو الفرق بين الأمن، والأمن من مكر الله تبارك وتعالى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت