جزاؤهم في الدنيا أن يقتلوا أويصلبوا لمحاربتهم لله ورسوله، التي هي أشدُّ من محاربة قطاع الطريق، وفي الآخرة فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، حينما يعترفون بضلالهم، وتُكشف عنهم أستارُهم، وتُقطَّع الحسرة أكبادهم:"تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسوِّيكم برب العالمين".
وبعد..
فإن الحكم بغير ما أنزل الله والرضا به ينقسم إلى قسمين كبيرين، هما:
1.كفر اعتقاد أكبر ناقل عن الملة، وله عدة صور.
2.كفر عمل أصغر، وله صورتان لا ثالث لهما.
الحالات التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر ناقلًا عن الملة
الأولى: أن يضع الحاكم دستورًا علمانيًا على غرار دساتير الكفار، نحو الدستور الفرنسي، مستبدلًا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومستعيضًا به عن حكم الله ورسوله، سواء كانت هذه الاستعاضة كلية أوجزئية.
وهذا اعتقاد ضمني من واضعي الدستور، ومنفذيه من الحكام والقضاة، والراضين به من الرعية، على تفضيله على حكم الله ورسوله أو مساواته له.
الثانية: أن يعتقد أن حكم الله ليس بواجب عليه، وإنما هو بالخيار، إن شاء حكم به وإن شاء حكم بغيره.
الثالثة: أن يعتقد أن حكم الله واجب، ولكن القوانين الوضعية أفضل منه، وأصلح لمشاكل العصر.
الرابعة: أن يعتقد أن القوانين الوضعية المستمدة من الكفار ليست أصلح من حكم الله ولكنها مساوية له.
الخامسة: أن يعتقد أنه يجوز له أن يتحاكم للقوانين الوضعية.
السادسة: أن يتحاكم إلى ما وضعه زعماء العشائر والقبائل، من العادات، والتقاليد، والأعراف، وسوالف الجاهلية، نحو"الياسق"الذي وضعه جنكيز خان لقومه.
السابعة: أن يدع التحاكم لشرع الله خوفًا من الكفار وحرصًا على الكرسي.
الحالات التي يكون فيها الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أصغر
حالتان فقط، هما:
الأولى: أن يجتهد في الوصول إلى حكم الله ولكنه لا يوفق لذلك.
الثانية: أن تحمله شهوته وهواه في قضية معينة، فيحيد عن حكم الله، مع تيقنه أن ما حاد عنه هو حكم الله.
تنبيهات
1.هذا فيما يتعلق بالحكام، والقضاة، وواضعي الدساتير والقوانين المحادة لكتاب الله وسنة رسوله، أما العامة والجمهور فمن رضي بهذا الحكم وانشرح له صدره فحكمه حكمهم، إذ الرضا بالكفر كفر، قال تعالى:"إنكم إذًا مثلهم"، فمن لم يرض وأنكر ولو بقلبه فلا حرج عليه.
2.على هاتين الحالتين: وهما أن يجتهد في الوصول إلى حكم الله فلا يوفق لذلك وأن تحمله شهوته على مخالفة حكم الله مع إقراره بأنه حكم الله ويجب عليه التحاكم به يُحمَلُ كلامُ ابن عباس رضي الله عنهما، وطاوس، وعطاء، وأبي مِجْلَز رحمهم الله.
قال ابن عباس:"ليس بالكفر الذي يذهبون إليه".
وقال عطاء:"كفرٌ دون كفر، وظلمٌ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق".
وقال أبو مِجْلز:"إنهم يعملون بما يعملون، ويعلمون أنه ذنب".
أما أن يحمل كلام هؤلاء الأئمة على الصور السبعة الأوَل ففي ذلك تعدٍّ وتجنٍّ.
3.إنزال مثل هذه النصوص على حال حكام المسلمين اليوم فيه اعتداء كبير وعدم إنصاف، لأن جل البلاد الإسلامية اليوم تحكم بدساتير وقوانين علمانية من وضع البشر قامت على أنقاض الإسلام، بينما كان المسلمون إلى سقوط الدولة العثمانية لا يعرفون لحكم الله ورسوله بديلًا، ولم يكن لهم دستور ولا قانون مخالف لشرع الله، والذي كان يحدث من مخالفات يرجع إما إلى خطأ المجتهدين أوميل عن الحق لشهوة وهوى، فأين هذا مما نحن عليه الآن؟
4.دعوى أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر كفرًا أكبر إلا إذا اعتقد ذلك بقلبه، هذه عقيدة المرجئة الكرامية الذين يقولون: الإيمان مجرد تلفظ باللسان، أوالمرجئة الجهمية الذين حصروا الإيمان في معرفة القلب؛ فعلى شرعهم هذا فإن إبليس وفرعون من أهل الإيمان، تعالى الله أن يكون إبليس وفرعون من أوليائه، أما أهل الحق والعدل، أهل السنة، فيحكمون على الناس بما ظهر منهم ويدعون سرائرهم إلى الله، إذ الكفر الأكبر ليس قاصرًا على الاعتقاد فقط.
5.لا يغني عمن ردَّ حكم الله ورضي بحكم الطاغوت صلاة ولا صيام ولا غيرهما.
الأدلة على ذلك
الأدلة على كفر من رفض حكم الله ورضي بحكم الطواغيت من الكتاب كثيرة جدًا، نشير إلى طرف منها.
• ... قوله تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويسلموا تسليمًا".
وقوله عن المنافقين:"ويقولن آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين".
وقال مادحًا المؤمنين:"إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون".
وقوله في سورة المائدة:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.."إلى آخر الآيات.
وقوله:"فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى".