فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 1363

الآثار التي ذكرناها عن حذيفة، والحسن، وأحمد رحمهم الله فيها تكذيب للدعوى الباطلة والشبهة الخاسرة التي يرفعها بعض المرجئة، وهي نفيهم لوجود النفاق في هذه الأمة، وإنما كان النفاق في العهد الأول فقط، أما اليوم فلا نفاق، وإنما كفر وإيمان فقط.

وقصروا قوله صلى الله عليه وسلم:"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها"الحديث في المنافقين الأولين، وبرأوا من هم شر منهم، انتصارًا لمذهبهم واغترارًا ببدعتهم، حيث يشهدون على كل من نطق بالشهادتين أنه مؤمن كامل الإيمان، وأن إيمانه مثل إيمان جبريل وميكائيل!!

وقد رد السلف الصالح على هؤلاء المرجئة قولهم هذا، وأنكروا عليهم أشد الإنكار، وشنعوا بهم، واعتبروا بدعة الإرجاء صنوًا لبدعة الخروج.

قيل للحسن البصري:"إن قومًا يزعمون أن لا نفاق، ولا يخافون النفاق؛ فقال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبًا".

وقال سفيان الثوري رحمه الله:"خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث؛ وذكر منها: نحن نقول النفاق، وهم يقولون لا نفاق".

وجاء رجل من المرجئة إلى أيوب السختياني رحمه الله فقال:"إنما هو الكفر والإيمان؛ فقال أيوب: أرأيت قوله:"وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم"، أمؤمنون هم أم كفار؟ فسكت الرجل، فقال أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي".

بل إن حذيفة رضي الله عنه اعتبر المنافقين التالين أشر من السابقين، فقال:"المنافقون الذين فيكم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء يعلنون".

لهذا عد بعض أهل العلم بدعة الإرجاء أخطر من بدعة الخروج، وكلاهما خطر.

قال الزهري رحمه الله:"ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على الملة من هذه"، يعني أهل الإرجاء.

وقال إبراهيم النخعي رحمه الله:"المرجئة أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة"، والأزارقة شر فرق الخوارج.

وقال سعيد بن جبير رحمه الله:"مثل المرجئة مثل الصابئين".

وقال الأوزاعي رحمه الله: قد كان يحيى وقتادة يقولان:"ليس في الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء".

وذلك لأنهم لا يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان، بل يقولون: لا يضر مع الإيمان -أي مجرد النطق بالشهادتين- معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

قد يقول قائل: ما تقولون فيما خرَّج البخاري عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال:"إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"؟ نقول لهم ما بينه الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: (والذي يظهر أن حذيفة لم يرد نفي الوقوع -أي وقوع النفاق- وإنما أراد نفي اتفاق الحكم، لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام، ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئًا فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التألف، لعدم الاحتياج إلى ذلك) .

ويؤيد ما قاله الحافظ الآثار العديدة عن حذيفة رضي الله عنه التي بين فيها كثرة المنافقين في عهده، وحذر من خطورتهم.

أسباب كثرة المنافقين وظهورهم في هذا العصر

الأسباب التي أدت إلى وفرة المنافقين وظهورهم وعظيم خطرهم في هذا العصر أكثر من ذي قبل، كثيرة جدًا، نشير إلى طرف منها، فنقول من ذلك:

1.تفشي الفكر الصوفي في معظم بلاد الإسلام.

2.تفشي الفكر الإرجائي من غير انتساب إليه.

3.تفشي الفكر الاعتزالي كذلك من غير انتساب إليه.

وذلك لتسرب هذه الأفكار الخطيرة إلى المسلمين عن طريق المدرسة التي نسبت إلى الإصلاح، التي أنشأها محمد عبده، حيث أفرزت الكثير من الأفكار الاعتزالية، متمثلة في تجسيم وتعظيم دور العقل، وجعله الحَكَم على كثير من النصوص التي توقع المنهزمين في حرج مع الكفار، وكذلك أفرزت بعض عقائد المرجئة.

4.فساد العقيدة، وانتشار كثير من الممارسات الشركية والبدع، حتى اعتبرت من أصل الدين.

5.تفشي الجهل في الأمة بسبب هيمنة التعليم اللاديني، وإنشاء الكثير من المعاهد والجامعات على غرار المعاهد والجامعات عند الكفار.

6.إقصاء الإسلام عن معظم مناحي الحياة، وحكم المسلمين بالقوانين الوضعية المستمدة من القانون الفرنسي وغيره.

7.ضعف عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين، الذي نتج من الأسباب السابقة الذكر، وعقيدة الولاء والبراء هي صمام الأمان لهذه الأمة.

8.تقدم الكفار العسكري والاقتصادي والمدني حبَّب للمسلمين الجهلة المغلوبين على أمرهم تقليد الكفار والتشبه بهم.

9.السياسة التي انتهجها الكفار بعد أن قضوا على الدولة العثمانية، وتقاسموها مستعمرات فيما بينهم -فرِّق تسد- وسعت دائرة الخلاف بين المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت