فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 1363

وإذا كانت النساء جمعًا فيسلم عليهن الرجل، أوكان الرجال جمعًا كثيرًا فسلموا على المرأة الواحدة جاز، إذا لم يخف عليه ولا عليهن الفتنة، ولا عليها وعليهن فتنة).

وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله وهو يتكلم عن الفروق بين الرجل والمرأة:(ومنها أنها لا تبتدئ شابة بسلام وتعزية، ومنها أنها لا تجاب ولاتشمت، قال الحموي: يعني أنها لو بدأت بالسلام قيل عليه في باب"البزازية"ما يدل على أنه يجيبها بصوت غير مسموع، وعبارته: امرأة عطست أوسلمت شمتها ورد عليها لو عجوزًا بصوت يسمع، وإن شابة بصوت لا يسمع، انتهى. وفي"خزانة المفتين": وإذا عطست امرأة فلا بأس بتشميتها إلا أن تكون شابة يرد عليها سرًا في نفسه انتهى.

إلى أن قال موجهًا للكلام السابق: سلام الشابة غير مسنون بل منهي عنه، لما في ذلك من الفتنة، فلا يجب رده فضلًا عن أن يشترط فيه الإسماع، وإن أبيح له أن يرد عليها بصوت لا يسمع لأن السلام تحية أهل الإسلام فيباح له الرد عليها بصوت لا يسمع رعاية لحق الإسلام والله أعلم) .

وقال المقدم في كتابه"عودة الحجاب"القسم الثالث وهو من الكتب النافعة المفيدة في هذا الجانب: (ومن تساهل في مصافحة النساء، واحتج بطهارة قلبه، وسلامة نيته، وأنه لا يتأثر بذلك فإنه ينادي على نفسه بنقص الرجولة، وهو كذاب في دعواه طهارة قلبه وسلامة نيته، وهذا أطهر ولد آدم صلى الله عليه وسلم، وأخوفهم لله، وأرعاهم لحدوده، يقول وهو المعصوم:"لا أمس أيدي النساء"، ويقول:"إني لا أصافح النساء"، ويمتنع عن ذلك حتى في وقت البيعة الذي يقضي عادة المصافحة، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء مع أن الشهوة فيهم غالبة، والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري منهم مجرى الدم؟! كيف وقد قال تعالى:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا") .

الخلاصة

ذهب الناس في مصافحة الأجنبية ثلاثة مذاهب: وسط وطرفي نقيض، يمثل طرفي النقيض المتمسكون بالعادات والأعراف والتقاليد، وهم صنفان:

أحدهما: لا يصافح محرمة عليه أوأجنبية، لا أختًا، ولا عمة، ولا غيرهما من المحارم، ومن باب أولى الأجنبيات، بسبب الجهل، وتقليدًا وتمسكًا ببعض العادات والتقاليد القبلية، وهم كم هائل من المسلمون في إفريقيا وآسيا.

الثاني: يصافح كل النساء، لا يميز بين محارمه والأجنبيات، بل انبساطه مع الأجنبيات أكثر، بسبب الجهل كذلك، وتمشيًا مع العادات والتقاليد السائدة في المجتمع، وبسبب التعليم المدني، وتقليدًا للكفار، وتمشيًا مع الدعوات التحررية، وهؤلاء صنفان كذلك: مقلد للآباء والأجداد، وسافر متحرر من القيود الشرعية.

أما الوسط فهم الملتزمون بهدي نبيهم وسنته صلى الله عليه وسلم، فيصافحون من كان يصافح، ويسلمون بالكلام لمن كان لا يصافحهن، فالحسنة بين سوأتين، وهم الوسط بين أهل الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير، كثر الله سوادهم، وثبتهم على الحق والسنة، وما ذهبوا إليه هو الحق الذي تؤيده النصوص الصريحة الصحيحة، وهو الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام، والسلف العظام، والخلف العقلاء، الممتثلين لسنة خير الأنام.

فعجلا أخي وأختي المتهاونين في المصافحة بالتوبة والاستغفار، قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، وتجتمع عليكما سكرة الموت وحسرة الفوت، واحذرا أن تكونا عبيدًا للعادات، ومقلدين للكفار، واعلما أنكما لن تقويا على أن تُطعنا بكل مصافحة واحدة في رأسيكما بمخيط من حديد، هذا إذا كنتما موقنين أن رسولكما لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وإن كنتما موقنين بالجنة والنار، وأنه لن تزول قدماكما حتى تسألا عن كل مخالفاتكما الشرعية، وتأكدا أنه لا فرق في حرمة المصافحة بين غريبة وقريبة، وجارة وبعيدة، وزميلة وغير زميلة، فالكل سواء.

واعلم أخي المسلم كذلك أن الحرج الذي ليس بعده حرج مخالفة الأوامر الشرعية، وانتهاك الحدود والآداب المرعية، وأن ما تعانيه من حرج وصدود بسبب الامتناع عن المصافحة في أول الأمر لا يساوي شيئًا بالنسبة لما ينتظرك من الحرج، والتثريب، والتعذيب، والطعن، فانظر أي الأمرين أيسر؟ وأي الحرجين أخف؟ واختر لنفسك ما فيه صلاحها، وتيقن أن رضا الناس غاية لا تنال، وأن رضا العامة لا ينال إلا بغضب الجبار.

واعلمي اختي المسلمة أن الذي لا يصافحك مكرم معز لك، وأن الذي يصافحك مذل مهين لك، علم بذلك أم لم يعلم، وتذكري قول ربك:"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"، فاحذري أصدقاء الدنيا أعداء الآخرة.

وفقني الله وإياك أخي المسلم وأختي المسلمة لما يحب ويرضى، وقَسَم لنا من الخشية ما يحول بيننا وبين معاصيه، وختم لنا بخير، وجعل عاقبة أمورنا كلها إلى خير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله الناصح الأمين، وعلى آله وأصحابه أئمة الدين، وعلى من تبعهم بإحسان وتأسى بهم إلى أن تكتمل العدتان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت