نماذج حسنة لمعاملة بعض الأخيار لخدمهم
سنعرض في هذه العجالة لبعض النماذج الطيبة، والصور الحسنة، لمعاملة نفر من الأخيار لخدمهم، لعل الله ينفع بها، فنقول:
1.سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم
كانت معاملة رسولنا صلى الله عليه وسلم لمن يخدمه معاملة الوالد الشفوق لولده، والأخ الرحيم لأخيه، لا يميز بين رقيق وأجير ومتطوع، مما جعل زيد بن حارثة رضي الله عنه يفضله على والديه وعشيرته.
زيد بن حارثة عربي من بني كلب أسِرَ وهو طفل في الجاهلية، وبيع بمكة، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بها، ثم تبناه بعدُ، وكان يُدْعى زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى:"ادعوهم لآبائهم"الذي أبطل التبني.
قال ابن عبد البر رحمه الله:(قال أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده:
بكيتُ على زيد ولم أدر ما فعلْ أحَيٌّ يُرْجَّى أم دونه أتى الأجلْ
فوالله لا أدري وإن كنتُ سائلًا أغالك سَهْلُ الأرض أم غالك الجبلْ
فياليت شعري هل لك الدَّهْرُ رجعة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجَلْ
تذكرنيه الشمسُ عند طلوعها وتعرضُ ذكراه إذا قارب الطَّفَلْ
وإن هبت الأرواحُ هيجن ذكره فيا طول حزني عليه ويا وَجَلْ
سأعمِلُ نَصَّ العيس في الأرض جاهدًا ولا أسأمُ التطواف أوتسأم الإبلْ
حياتي أو تأتي عليَّ منيتي وكل امرئ فانٍ وإن غرَّه الأجلْ
سأوصي به عمرًا وقيسًا كليهما وأوصي يزيدَ ثم من بعده جَبَلْ
إلى أن قال:
فحج ناس من كلب، فرأوا زيدًا فعرفهم وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا عني أهلي هذه الأبيات، فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليَّ؛ فقال:
أحن إلى قومي وإن كنتُ نائيًا فإني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نَصَّ الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة كرام معدٍّ كابرًا بعد كابر
فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه، فقال: ابني وَرَبَّ الكعبة؛ ووصفوا له موضعه، وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه، وقدما مكة، فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد؛ فدخلا عليه، فقال: يا ابن عبد المطلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن إلينا في فيدائه؛ قال: ومن هو؟ قالوا: زيد بن حارثة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك! قالوا: وما هو؟ قال: أدعوه فأخيِّره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا؛ قالا: قد زدتنا على النصف وأحسنت؛ فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم؛ قال: من هذا؟ قال: هذا أبي وهذا عمي؛ قال: فأنا من قد علمتَ ورأيتَ صحبتي لك، فاخترني أواخترهما؛ قال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم؛ فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك، وعلى أهل بيتك! قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا؛ فلما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحِجْر، فقال: يا من حضر، اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه؛ فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما فانصرفا).
وإليك نموذجًا آخر لحسن معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخدمه، عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا، قالت أم سليم رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا غلامي أنس يخدمك؛ فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمره آنذاك عشر سنين، فخدم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فقال:"خدمتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ما قال لي لشيء فعلتُه لم فعلتَه، ولا لشيء تركتُه لم تركته".
2.عمر بن الخطاب رضي الله عنه
من النماذج الطيبة، والصور الحسنة، والمواقف النادرة، معاملة الخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن الخطاب لخدمه ومماليكه، هذا على الرغم من شدة عمر في الحق وهيبة الناس له، يوضح ذلك ما حكاه عنه مولاه أسلم رحمه الله.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة أسلم: (وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال ابن عمر: يا أبا خالد، إني أرى أمير المؤمنين يلزمك لزومًا لا يلزمه أحدًا من أصحابك، لا يخرج سفرًا إلا وأنت معه، فأخبرني عنه؛ قال: لم يكن أولى القوم بالظل، وكان يرحِّل رواحلنا، ويرحل رحله وحده، ولقد فزعنا ذات ليلة وقد رحَّل رحالنا وهو يرحل رحله ويرتجز:
لا يأخذ الليلُ عليك بالهم وألبسن له القميص واعتم
وكن شريك نافع وأسلم واخدم الأقوام حتى تُخدم
3.أبو ذر الغفاري رضي الله عنه
لقد ضرب أبو ذر الغفاري رضي الله عنه في حسن معاملة الخدم المثل الأعلى الذي لا يدانى، فكان يُلبس خادمه ويُطعمه ويُسكنه من نفس ما يلبس ويطعم ويسكن، وذلك لأن مناسبة الحديث السابق:"إخوانكم خولكم"كانت خاصة به.