فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 1363

وبيَّن أن الله عز وجل لا ينظر إلى الصور والأجسام، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، فقال:"إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، وقال:"رُبَّ أشعث - أغبر - مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره".

اللهم إنا نعوذ بك أن نكون عظماء في أنفسنا وعند الناس، حقراء أذلاء مدفوعين عندك.

وبعد..

أخي المسلم، عليك أن تتقي الله عز وجل فيمن اضطرته الظروف، ودفعته الحاجة، وسخره الله لخدمتك وخدمة آل بيتك، من إخوانك المسلمين وغيرهم، وأن ترعى فيهم وصية نبيك صلى الله عليه وسلم، حيث قال موصيًا بالإحسان إليهم، ومحذرًا من تكليفهم ما لا يطيقون، ومن الإساءة إليهم:"إخوانكم خولكم، جعلهم الله قِنْيَة تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه، وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه".

واعلم أخي المسلم وأختي المسلمة أن خادمك هذا أوخادمتك تلك قد تكون عند الله عز وجل أكرم وأفضل منكما، وربما كان الخادم أعف نفسًا، وأحسن خلقًا، وأعز معتدًا، وأفضل نسبًا من مخدمه.

كثير من المسلمين اليوم يعاملون الخدم الأجراء معاملة الخدم الأرقاء في الخلوة والانبساط معهم، وبين الخدم الأرقاء والخدم الأجراء من الفروق الشيء الكبير، حيث نجد الرجل يخلو بخادمته الأجيرة، والمرأة تخلو بخادمها وتبرز محاسنها أمامه، وكذلك الأمر بالنسبة للأولاد والبنات البالغين، ونجد المخدمين يرسلون الخادمات إلى المحال التجارية، وإلى الأسواق، مما يعرضهن للفتن، ولا يحرص على حجابها الشرعي حرصه على محارمه، وفي ذلك وغيره كثير من المخالفات الشرعية وانتهاك لحدود الله ومخالفة لأوامره.

وفي بعض الأحيان قد يتعدى الأمر أكثر من ذلك إلى الشروع في الزنا ومقدماته، هذا إلى جانب الضرب، والسباب، والشتم، والإهانة، مما يضطر بعض الخدم لارتكاب بعض الحماقات، كالانتحار، والانتقام، والهروب، ونحو ذلك، وما نسمعه من سوء معاملة بعض المستخدمين وذويهم لخدمهم من أمور يندي لها الجبين، ويشمئز منها الضمير، ولا تناسب بحال من الأحوال ولا تشبه أخلاق أتباع محمد البشير النذير.

فعليك أخي المسلم إذا دعتك قدرتك إلى ظلم من جعله الله تحت ولا يتك وسلطانك من خادم، أوعامل، أورعية، أن تتذكر قدرة الله وبطشه وجبروته عليك.

عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال:"كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت خلفي صوتًا: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود - مرتين - أن الله أقدر عليك منك عليه؛ فالتفتُ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم".

حق الخادم على مستخدمه

لم يُحْوجنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك إلى تشريعات منظمات العمل المحلية والدولية، وإنما بين لنا كل ما نحتاجه في أمر ديننا ودنيانا، من ذلك فقد وضَّح صلى الله عليه وسلم أهم حقوق الخدم على مستخدميهم، كما مر في الحديث السابق وغيره، سواء كانوا أرقاء أم أجراء، وهي:

أولًا: أن يطعم خادمه مما يطعم.

ثانيًا: أن يلبسه مما يلبس.

ثالثًا: لا يكلفه ما يغلبه وإلا أعانه عليه، إما بنفسه، أوبأجراء آخرين.

رابعًا: أن يسكنه فيما يسكن، أوفي سكن يقيه الحر، والبرد، والمطر.

خامسًا: أن يعطيه من الأجر ما يناسب عمله ومجهوده، ولا ينبغي أن يستغل حاجته وفقره، وانخفاض مستوى دخل الفرد في بلده، كما يحدث الآن في كثير من البلاد.

وينبغي على ولاة الأمر أن ينتبهوا لاستغلال الشركات والمؤسسات والأفراد الذين يقومون بالتعاقد مع هؤلاء الخدم واستجلابهم من بلادهم، ففي بعض الأحيان تكون هناك عقود صورية مخالفة لما يتعاطاه الخادم عندما يباشر عمله.

واعلم أخي المسلم أن مثل هذه الإجراءات التعسفية واستغلال حاجة الخدم الماسة للعمل لا تحلل الحرام ولا تجيز استغلال حاجة المضطرين.

سادسًا: أن لا يسبه، ولا يشتمه، ولا يضربه.

سابعًا: أن يحسن معاملته ويكرمه.

ثامنًا: أن يعامله ذكرًا أوأنثى المعاملة الشرعية التي بينها الشارع.

تاسعًا: أن يتجاوز عن خطئه وتقصيره.

عاشرًا: يجتهد أن يعوضه ما فقده من أهل وعشيرة وتباين بيئة.

أحد عشر: أن يمسكه بإحسان أويتخلى عنه بإحسان، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء.

الثاني عشر: أن يخصَّ الخدم المسلمين بعناية ورفق أكثر من غيرهم، وأن لا يظلم غير المسلمين، بل ينبغي أن يدعوهم إلى الإسلام بسلوكه الحسن، ومعاملته الطيبة، ولا ينفرهم ويبغضهم في الإسلام بسلوكه، فالدين المعاملة.

قال المناوي في فيض القدير في شرح قوله صلى الله عليه وسلم:"فليطعمه": (أي وجوبًا، والأفضل كونه"من طعامه"الذي يأكله، ويلبسه مما يليق من لباسه، قال الرافعي: لا مناقضة بينه وبين الخبر الآتي:"للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف"، لأن ما هنا في حق العرب الذين طعامهم وطعام عبيدهم وكسوتهم متقاربة، وذلك في حق المترفهين في الطعام واللباس، فليس عليهم لمماليكهم إلا المتعارف لهم بالبلد، سواء كان من جنس نفقة السيد أوفوقه أودونه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت