وقال البغوي: (قال حميد بن زنجويه: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المعانقة والتقبيل، وجاء أنه عانق جعفر بن أبي طالب وقبله عند قدومه من أرض الحبشة، وأمكن من يده حتى قبلت، وفعل ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك بمختلف، ولكل وجه عندنا، فأما المكروه من المعانقة والتقبيل فما كان على وجه الملق والتعظيم، وفي الحضر، فأما المأذون فيه فعند التوديع، وعند القدوم من السفر، وطول العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله، ومن قبل فلا يقبل الفم، ولكن اليد والرأس والجبهة، وإنما كُره ذلك في الحضر فيما يُرى لأنه يكثر ولا يستوجبه كل أحد، فإن فعله الرجل ببعض الناس دون بعض وجد عليه الذين تركهم، وظنوا أنه قد قصر في حقهم، وآثر عليهم، وتمام التحية المصافحة) .
وقال فضل الله الجيلاني:(لا بأس بتقبيل يد العالم، والمتورع، والحاكم المتدين، والسلطان العادل، وتقبيل رأسه أجود، أي أكثر ثوابًا، ولا رخصة فيه لغير عالم وعادل.
وفي"المحيط"إن كان التعظيم لإسلامه وإكرامه جاز، وإن كان لنيل الدنيا كره أوحرم بحسبه، والتقبيل على سبيل البر بلا شهوة جائز بالإجماع، وتقبيل يد نفسه إذا لقي غيره فهو مكروه ولا رخصة فيه.
أما تقبيل يد إنسان ليس عالمًا ولا صالحًا ولا عادلًا ولا ممن يرجى صلاحه فمكروه بالإجماع) .
ه . تقبيل ومعانقة المودَّع والقادم من سفر
من الحالات التي يجوز فيها التقبيل وبالأحرى المعانقة والالتزام عند وداع المسافر وعند استقباله.
فيجوز للرجال أن يفعلوا ذلك بالرجال، وبمحارمهم من النسب، وكذلك يجوز للنساء أن يفعلن ذلك مع النساء وبمحارمهن من النسب.
وإليك الأدلة:
• ... عن عائشة رضي الله عنها قالت:"لما قدم جعفر استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل ما بين عينيه".
• ... وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب، فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم عُريانًا يجر ثوبه فاعتنقه وقبله".
• ... وعن أبي الهيثم بن التيهان أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه فاعتنقه وقبله.
أقوال العلماء
قال ابن أبي زيد:(قيل لمالك: أرأيت من قدم من سفر فتلقاه ابنته أوأخته فتقبله؟ قال: لا بأس بذلك؛ وقال أيضًا: لا بأس أن يقبل خد ابنته؛ قيل: أفترى أن تقبله ختنته، أوتعانقه وهي متجالة؟ فكره ذلك.. وكره معانقة الرجل للرجل.
وقال مالك: لا بأس أن يقبل الرجلُ خد ابنته إذا قدم من سفره.
وقال: ويقال من تعظيم الله تعالى تعظيم ذي الشيبة المسلم).
وقال النووي: (وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة أنه لا بأس به عند القدوم من السفر ونحوه ومكروه كراهة تنزيه في غيره، هو في غير الأمرد الحسن الوجه، وأما الأمرد الحسن الوجه فيحرم بكل حال تقبيله، سواء قدم من سفر أم لا، والظاهر أن معانقته كتقبيله، أوقريبة من تقبيله، ولا فرق في هذا أن يكون المقبِّل والمقبَّل رجلين صالحين أوفاسقين، أوأحدهما صالحًا، فالجميع سواء، والمذهب الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن، ولو كان بغير شهوة، وقد أمن الفتنة، فهو حرام كالمرأة لكونه في معناها) .
وقال البغوي: (وعن تميم بن سلمة قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام، استقبله أبو عبيدة بن الجراح، فأخذ بيده فقبلها، قال تميم: كانوا يرون أنها سنة؛ وقال الشعبي: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصافح بعضهم بعضًا، وإذا جاء أحدهم من سفر عانق صاحبه، وقدم سلمان فدخل المسجد فقام إليه أبوالدرداء فالتزمه، وقال عمر بن ذرٍّ: كنتُ إذا ودعت عطاء بن أبي رباح التزمني بيده وضمني إلى جلده) .
و. تقبيل الميت الصالح في رأسه وجبهته
كذلك من الحالات التي يجوز فيها التقبيل تقبيل الميت الصالح، يقبله أهله وغيرهم، الرجال يقبلون الرجال الصالحين، وكذلك النساء يقبلن إن شئن الصالحات منهن ومحارمهن.
فقد صح عن عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت:"دخل أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى".
قال النووي: (ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك، ولا بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه) .
خامسًا: القيام للسلام
ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار
• ... عن أنس رضي الله عنه قال:"لم يكن شخص أحب إليهم رؤية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك".
• ... وعن أبي مِجْلز أن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير جالسان، فقام ابن عامر، وقعد ابن الزبير، فقال معاوية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده في النار".
• ... وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة حين أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه:"قوموا لسيدكم".
حكم القيام للسلام