على الأبناء أن يتقوا الله في أنفسهم وفي والديهم، وليعلموا أنهم ليسوا أعز على الله من جريج، ذلكم العابد الناسك، حيث عجَّل الله له العقوبة لصالحه، ولكن كثيرًا من الأبناء والبنات قد تؤخر عنهم العقوبة استدراجًا لهم لشدة غفلتهم وعظيم جريمتهم، لأن بعض الأخيار قد يطهره الله من الذنوب والآثام في الدنيا، ويمحصهم بشيء من الابتلاءات، ولهذا جاء في الخبر:"أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل والأمثل"، وهذا مصداق قوله عز وجل:"قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدًا".
لقد ورد في حديث قال الترمذي غريب، عن أبي هريرة يرفعه:"إذا اتخِذ الفيء دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتعلم لغير العلم، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، وزلزلة، وخسفًا، ومسخًا، وقذفًا، وآيات تتابع كنظام بالٍ قطع سلكه فتتابع"، الشاهد فيه التحذير من طاعة الزوجة على حساب بر الأم، وإدناء الصديق وإقصاء الأب، وعد ذلك من علامات الساعة المنذرة بنهاية الدنيا وظهور الشرور.
قال ابن قتيبة رحمه الله:(كان صخر بن الشريد أخو الخنساء خرج في غزوة فقاتل فيها قتالًا شديدًا، فأصابه جرح رغيب، فمرض، فطال به مرضه وعاده قومه، فقال عائد من عواده يومًا لامرأته سلمى: كيف أصبح صخر اليوم؟ قالت: لا حيًا فيُرجى، ولا ميتًا فينسى؛ فسمع صخر كلامها فشق عليه، وقال لها: أنت القائلة كذا وكذا؟ قالت: نعم، غير معتذرة إليك؛ ثم قال آخر لأمه: كيف أصبح صخر اليوم؟ فقالت: أصبح بحمد الله صالحًا، ولا يزال بحمد الله بخير ما رأينا سواده بيننا؛ فقال صخر:
أرى أمَّ صخر ما تمل عيادتي وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنتُ أخشى أن أكون جنازة عليك ومن يغتر بالحدثان؟
فأي امرئ ساوى بأمٍ حليلة فلا عاش إلا في أذى و هوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيلَ بين العَيْر والنزوان
لعمري قد أنبهت من كان نائمًا وأسمعت من كانت له أذنان
فلما أفاق عَمَدَ إلى سلمى فعلقها بعمود الفسطاط حتى فاضت نفسها، ثم نكس من طعنته فمات)
نماذج للأبناء البررة
سنورد في هذه الصفحات بعض النماذج الحية والصور النادرة لبر الوالدين والإحسان إليهما، عسى أن تكون شاحذًا ودافعًا للأخيار، ومذكرًا ومنبهًا للمقصرين والعاقين لآبائهم، فالاقتداء بالسلف الصالح هو سبيل المهتدين، وطريق العقلاء الكيسين من المؤمنين، فنقول وبالله التوفيق:
1.سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم
يتجلى بر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوالديه، وعمه، وزوجه خديجة بعد وفاتها، وبقومه في أحسن صوره في حرصه على هداية الأحياء منهم الذين أدركوا الإسلام، وفي سؤاله لربه أن يستغفر لأمه، فلم يجبه ربه لذلك، ولكن عندما سأله أن يزور قبرها أذن له في ذلك، فزار قبرها.
قال تعالى:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم"
خرج مسلم في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله"؛ فقال أبوجهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؛ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب؛ وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"؛ فأنزل الله عز وجل:"ما كان للنبي..."الآية، وأنزل الله في أبي طالب لرسوله صلى الله عليه وسلم:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين".
قال القرطبي: (هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين)
2.سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنت بارًا بأمي، فأسلمتُ، فقالت: لتدعنَّ دينك، أولا آكلُ ولا أشربُ حتى أموت فتعيَّر بي، ويقال: يا قاتل أمه؛ وبقيت يومًا ويومًا، فقلت: يا أماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركتُ ديني هذا، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي؛ فلما رأت ذلك أكلت، ونزلت:"ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون")