قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله:"وبالوالدين إحسانًا الآية:(وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي أخذ مالي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: فائتني بأبيك؛ فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه؛ فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقه إلا على إحدى عماته، أوخالاته، أوعلى نفسي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك؟ فقال الشيخ: والله يا رسول الله، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينًا، لقد قلت في نفسي شيئًا ما سمعته أذناي؛ قال: قل وأنا أسمع؛ قال: قلت:
غَذَوتُك مولودًا ومُنْتُك يافعًا تُقلّ بما أجني عليك وتُنْهِلُ
إذا ليلة ضافتك بالسُّقم لم أبِتْ لسقمك إلا ساهرًا أتململُ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طُرِقتَ به دوني فعيني تَهْمَلُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغتَ السن والغاية التي إليها مدى ما كنتُ فيك أؤمل
جعلتَ جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلتَ كما الجار المصاقب يفعل
فأوليتني حق الجوار ولم تكن عليَّ بمال دون مالك تبخل
قال فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه، وقال:"أنت ومالك لأبيك") .
4.لا يحل له أن يشتكيهما لحاكم أوقاضٍ أويتظلم منهما لأحد من الناس
مما خص به الأبوان دون غيرهما أنه لا يحق للابن أن يشكو أحد أبويه ويوقفه في المحاكم ولا أن يتظلم منه عند أحد من الناس وإن ظلماه وتعديا على ماله، أونفسه، أوعياله، أوزوجه، لمنافاة ذلك لبرهما، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أمسى وأصبح مرضيًا لوالديه، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة، وإن واحدًا فواحدًا، ومن أمسى وأصبح مسخطًا لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحدًا فواحد؛ فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال: وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه".
5.أن يبالغ في مداراتهما ويحذر من مغايظتهما
مما يخص به الأبوان دون غيرهما من الأبناء المبالغة في مداراتهما والحذر من مخاشنتهما والإغلاظ عليهما.
قال ابن أبي زيد رحمه الله:(وسأله - أي مالكًا - رجل له والدة وأخت وزوجة، قال: فكلما رأت لي شيئًا قالت: أعطِ هذا لأختك؛ فأكثرت عليَّ من هذا، فإن منعتها سبتني ودعت عليًّ؟ قال له مالك: ما أرى أن تغايظها، وتخلص منها بما قدرتَ عليه، وغيِّب عنها ما كان لك؛ قال: أين أخبئه؟ ذلك معي في البيت، قال: أما أنا فما أرى أن تغايظها، وأن تتخلص من سخطها بما قدرتَ عليه.
وذكر عن مالك أن رجلًا قال له: إن أبي في بلد السودان، فكتب إليَّ أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك؟ قال له مالك: أطع أباك ولا تعصِ أمك؛ وكره أن يأمره بعصيان أمه.
وذكر أن الليث أمره - أي هذا السائل - بطاعة الأم لأن لها ثلثي البر)
قلت: مالك رحمه الله أمر هذا السائل بمداراة والديه كلاهما، وأبى له أن يغضب أحدهما على حساب الآخر، وطريقة مالك هذه أسلم مما ذهب إليه الليث.
هذا الرفق وتلك المداراة واجبة مع الوالدين حتى في حال الأمر والنهي
قال ابن مفلح رحمه الله:(قال أحمد في رواية يوسف بن موسى: يأمر أبويه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؛ وقال في رواية حنبل: إذا رأى أباه على أمر يكرهه يكلمه بغير عنف ولا إساءة، ولا يغلظ له في الكلام، وإلا تركه، ليس الأب كالأجنبي؛ وقال في رواية يعقوب بن يوسف: إذا كان أبواه يبيعان الخمر لم يأكل من طعامهما وخرج عنهما.
وقال في رواية ابن هاني: إذا كان له أبوان، ولهما كَرْمٌ يعصران عنبه ويجعلانه خمرًا يسقونه، يأمرهما وينهاهما، فإن لم يقبلا خرج من عندهما، ولا يأوي معهما؛ ذكره أبو بكر في"زاد المسافر"وذكر المروزي أن رجلًا من أهل حمص سأل أبا عبد الله: أن أباه له كروم يريد أن يعاونه على بيعها؛ قال: إن علمتَ أنه يبيعها ممن يعصرها خمرًا فلا تعاونه.
قال المروذي لأبي عبد الله: فإن كان يرى المنكر ولا يقدر أن يغيره؟ قال: يستأذنها، فإن أذنت له خرج، قال المروذي: سألتُ أبا عبد الله عن قريب لي أكره ناحيته، يسألني أن أشتري له ثوبًا أوأسلم له غزلًا؛ فقال: لا تعنه ولا تشتر له إلا بأمر والدتك، فإن أمرتك فهو أسله، لعلها أن تغضب)
بمَ يكون برُّ الوالدين؟
أولًا: المسلمين
أ. في حياتهما
يكون بر الوالدين المسلمين في حياتمها بالآتي:
1.طاعتهما في المعروف.
2.موافقتهما فيما يريدان في غير معصية الله.
3.الإنفاق عليهما إن كانا محتاجين.
4.الإحسان والإهداء إليهما إن كانا مكتفين.
5.عدم التعرض لسبهما.