عندما أسلمت تغيرت نفسيتها، وتهذبت عاطفتها، وعلت وسمت همتهما، فقد كان لها أربعة بنين خرجت معهم لخدمتهم في حرب القادسية، فقالت مشجعة وحاثة لهم على الإقدام في القتال: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين؛ وذكرت من صونها لبنيها وعدم خيانتها لأبيهم ما ذكرت، ثم قالت لهم: وقد تعلمون ما أعد الله لكم من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرب لظاها على سياقها، وجللت نارًا على أروقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها، تظفروا بالمغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة.
فخرج بنوها قابلين لنصحها، فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم يقول:
يا إخوتي إن العجوز الناصحة قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحة فباكروا الحرب الضروس الكالحة
وإنما تلقون عند الصائحة من آل ساسان كلابًا نابحة
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة وأنتم بين حياة صالحة
أوميتة تورث غُنْمًا صالحة
وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى، ثم تقدم الثاني وهو يقول:
إن العجوز ذات حزم و جلد والنظر الأوفق والرأي الأسد
لقد أمرتنا بالسداد و الرَّشَد نصيحة منها وبرًا بالولد
فباكروا الحرب حُماةً في العدد إما لفوز بارد على الكبد
أوميتة تورثكم غنم الأبد في جنة الفردوس والعيش الرغد
فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى، ثم تقدم الثالث وهو يقول:
و الله لا نعصي العجوز حرفًا قد أمرتنا حدبًا وعطفًا
نصحًا وبرًا صادقًا ولطفًا فبادروا الحرب الضروس زحفًا
حتى تلقَّوا آل كسرى لفًا وتكشفون عن حماكم كشفًا
فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى، وحمل الرابع وهو يقول:
لستُ لخنسا ولا للأخرم ولا لعمرو ذي السنا الأقدم
إنْ لم أرُدْ في الجيش جيش العجم ماضٍ على هول خِضَم خِضْرَم
إما لفوز عاجل ومغنم أو لوفاة في السبيل الأكرم
فقاتل حتى قتل رحمه الله، فبلغ خبرُهم الخنساء أمهم، فقالت: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته؛ فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي الخنساء بعد ذلك أرزاق أولادها الأربعة، لكل واحد منهم مائتي درهم.
وأنتم أيها الشباب عليكم بمداراة آبائكم وأمهاتكم، وإقناعهم باللطف وبالحسنى، واحذروا المواجهة والمكاشرة، فبالرفق واللين ينال الابن ما يريده من والديه مهما كانوا متعنتين متمنعين.
أما إذا كان الأب علمانيًا منافقًا، فهذا لا يستأذن في الخروج إلى الجهاد والغزو، فالمنافق نفاق الاعتقاد فهو كافر وإن تظاهر بالإسلام.
واعلم ايها الشاب أن الأجداد، والجدات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات، والإخوة والأخوات الكبار هم بمنزلة الآباء عند فقدهم، ولهذا فلابد من الاستئذان منهم وطلب رضاهم للخروج للغزو والجهاد والرباط، إن كان من فروض الكفايات.
رابعًا: الهجرة
هجر المعاصي والهجرة من ديار الكفر ومن البلاد التي لا يتمكن فيها المسلم من القيام بشعائره الدينية أويخشى أن يفتن فيها عن دينه ولو كانت بلادًا إسلامية جائزة، وقد تكون واجبة في بعض الأحيان.
فمن أراد أن يهاجر وله أبوان أوأحدهما فعليه أن يستأذنهما ويسترضيهما، أما إن كانت الهجرة وجبت عليه خوفًا على دينه هاجر، أذنا له أم يأذنا له، أما إن لم تجب الهجرة في حقه فلا يهاجر إلا بعد إذنهما، أما الهجرة إلى ديار الكفر من غير ضرورة فلا تجوز أذن له والداه أم لا.
خامسًا: السفر للعمل والتجارة
كذلك لا يجوز لابن أن يسفر إلى بلد من البلاد الإسلامية، أوإلى محلة بعيدة من سكنى والديه، للعمل أوللتجارة، أولديار الكفر إن اضطر إلى ذلك إلا بعد أن يأذن له والداه.
ما يستحب فيه رضا الوالدين ولا يجب
من الأمور المباحة التي يستحب فيها استئذان الوالدين والاجتهاد في إرضائهما ومداراتهما مسألتان هما:
أولًا: الزواج.
ثانيًا: الطلاق.
أولًا: الزواج
أ. البنت
لا يحل للبنت أن تتزوج من غير إذن ورضا أبيها أووليها في حال موت الأب أوفقدانه، بكرًا كانت البنت أم ثيبًا، بالغة أم غير بالغة، وذلك لما صح عنه صلى الله عليه وسلم:"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، ولا ينبغي للأب أوالولي أن يعضل وليته ويمنعها من الزواج أوالرجوع من كفء تقدم لها إلا لسبب شرعي، فإن فعل فهو آثم، والسلطان ولي من لا ولي لها.
ويستحب للأب أوالولي أن لا يزوج وليته إلا بعد الاطمئنان لرضاها بمن تقدم لها، وأجاز الجمهور للأب خاصة أن يزوج بنته البكر غير البالغ لمن يأنس فيه الكفاءة، أسوة بما فعله أبوبكر رضي الله عنه حيث زوج عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إذنها ورضاها.
هذا وقد صحَّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الزانية هي التي تزوج نفسها يعني من غير ولي.