وقسم ثانٍ من واجب الجهاد، فرض أيضًا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة، يخرج معهم بنفسه، أويخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام، ويرعبهم، ويكف أذاهم، ويظهر دين الله عليهم، حتى يدخلوا في الإسلام ويعطوا الجزية عن يدٍ.
ومن الجهاد أيضًا ما هو نافلة، وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة، وبعث السرايا في أوقات العِزَّة وعند إمكان الفرصة، والإرصاد لهم بالرباط في موضع الخوف، وإظهار القوة).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: (والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
وأما الجهاد بالنفس ففرض، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه
الأدلة على أن الجهاد إن كان فرض كفاية فلا يخرج إليه إلا بعد إذن والديه
من الأدلة على ذلك ما يلي:
1.عن عبد الله بن عمرو قال:"قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد؟ قال: ألك أبوان؟ قال: نعم؛ قال: ففيهما فجاهد".
2.وخرَّج أحمد عن أبي سعيد قال:"هاجر رجل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل باليمن أبواك؟ قال: نعم؛ قال: أذنا لك؟ قال: لا؛ قال: ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك وإلا فبرهما".
3.وعن عبد الله بن عمرو قال:"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما"
4.وعن معاوية بن جاهمة عن أبيه قال:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستشيره في الجهاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألك والدان؟ قلت: نعم؛ قال: الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما"
قلت: بعض الآباء والأبناء في هذه المسألة على طرفي نقيض، بينما نجد بعض الشباب متحمسًا للجهاد والغزو، ودائمًا يحدث ويمني النفس به وهو صادق في ذلك، نجد بعض الآباء والأمهات على العكس والنقيض من ذلك، فمنهم من لا يسمح ولا يأذن لابنه بذلك حتى لو تعين الجهاد على ابنه، وتختلف دوافع المنع، فمنها:
1.الحرص الشديد على الأبناء والخوف عليهم.
2.الجهل بقيمة الجهاد وفضله، وما أعده الله للمجاهدين في سبيله.
3.حب الدنيا والتعلق بها، وكراهية الموت، سواء كان شهادة أوبسبب حادث حركة.
4.إطلاق الكفار وعملاؤهم وإعلامهم مصطلح الإرهاب الذي يمارسونه ضد المسلمين على الجهاد الذي شرعه رب العالمين، وهو رهبانية الإسلام.
5.غلبة الفكر العلماني، مما دفع بعض العلمانيين المتزيين بالإسلام أن يزعموا"أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة"هذه كلمة مضى عليها التاريخ، وتخطاها الزمن، وأن الإسلام لم ينتصر بحد السيف، وإنما انتشر عن طريق التجاور والطرق الصوفية، عن طريق دق الطبول، والرقص، والتواجد، وهم يعلمون كذب هذا قبل غيرهم.
فعلى الآباء أن يتقوا الله في إسلامهم، وفي أنفسهم، وأن يتخلصوا من هذه العواطف الحيوانية، والهواجس الشيطانية، والأفكار العلمانية، وأن يتحرروا من هذه القيود الأرضية.
وليقتدوا في ذلك بسلف الأمة، بعمرو بن الجموح، ذلكم الشيخ الأعرج الذي عذره الله ورسوله، وخرج أبناؤه في أحُد، ولكنه اشتهى أن يطأ الجنة بعرجته تلك، فأذن الرسول صلى الله عليه وسلم له، ونال ما تمناه واشتهاه.
وبأبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما، فقد أمرا ابنيهما أن يطلقا زوجيهما خشية أن يمنعهما ذلك من الغزو والجهاد.
وعليكن أيتها الأمهات الاقتداء بتلك الصحابية التي استشهد لها أربعة أبناء، فلم يهلها ذلك، ولم تجزع، بل حمدت الله واسترجعت، وأرادت فقط أن تطمئن على سلامة الرسول الكريم، والقائد العظيم، فلما قيل لها هو بخير كما تشتهين، طلبت أن تراه، فلما رأته قالت: كل شيء بعدك جلل - أي كل مصيبة بعدك يسيرة وحقيرة.
عليك أيتها الأم أن تقتدي بالخنساء تماضر بنت عمرو بن الشريد السُّلمية، تلك الشاعرة العربية، المسلمة، المخضرمة، أرق شعراء العرب، وأحزن من بكى وندب، التي بكت أخاها صخرًا بكاءً حارًا وقالت فيه شعرًا صادقًا في قصيدتها التي مطلعها:
أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى؟
والتي جاء فيها:
يذكرني طلوع الشمس صخرًا وأذكره لكل غروب شمس
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
و ما يبكين مثلَ أخي ولكن أسلي النفسَ عنه بالتأسي