8.وكان ابن عمر يتوضأ من قبلة امرأته ويفتي بذلك، وكان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالي قبلتهما أوشممتُ ريحانًا.
9.وكان يأمر من ذكر أن عليه صلاة وهو في صلاة أخرى أن يتمها، ثم يصلي الصلاة الفائتة، ثم يعيدها، وهذا مذهب مالك.
10.وكان إذا فاتته ركعة مع الإمام سجد سجدتي السهو بعد قضاء صلاته.
11.وكان يأمر الحائض أن تنقض شعرها للغسل عندما تطهر، فقالت عائشة: هلا أمرها أن تحلق شعرها!
قال ابن القيم رحمه الله: (وكذلك كان هذان الصحابيان الإمامان أحدهما يميل إلى التشدد والآخر إلى الترخيص، وذلك في غير مسألة) .
قلت: هؤلاء الصحابة الثلاثة من كبار علماء الصحابة، وقد أخذ عنهم المسلمون دينهم، بل كل فقه الكوفة أخذ من علي وابن مسعود، وكذلك فقه الحجاز جله أخذ من شيخي الصحابة في وقتهما ابن عمر وابن عباس، وهذه المآخذ لا تغض من مكانتهم العلمية، فقط علينا أن لا نقتدي بهم في ذلك.
التوسط والاعتدال
المعتدل المتوسط هو الذي يكون ملتزمًا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمع عليه السلف الصالح لا يحيد عن ذلك أبدًا، بين التشديد والتخفيف، إذ الحسنة بين سيئتين، فلا إفراط ولا تفريط، وهذا ما عليه أهل السنة قاطبة، متجنبًا ما يأتي:
1.الأقوال الشاذة.
2.رخص وزلات أهل العلم.
3.اتباع الهوى.
4.تقليد أحد الناس في كل ما يقول سوى الرسول صلى الله عليه وسلم.
5.الابتداع في الدين.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا":(أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم، والوسط العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها، وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا"قال:"عدلًا"، قال: هذا حديث حسن صحيح؛ وفي التنزيل:"قال أوسطهم"، أي أعدلهم وخيرهم.
إلى أن قال: ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير كان محمودًا، أي هذه الأمة لم تغلُ غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبياءئهم، وفي الحديث:"خير الأمور أوسطها"، وفيه عن علي رضي الله عنه:"عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل") .
وقال الشاطبي في تعريف الوسطية:(المفتي البالغ الذروة الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم، الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين.
وأيضًا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الأكرمين، وقد رد عليهم عليه الصلاة والسلام التبتيل، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة:"أفتان أنت يا معاذ"، وقال:"إن منكم منفرين"، وقال:"سدِّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلجة، والقصد القصد تبلغوا"، وقال:"عليكم بالعمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا"، وقال: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل"، ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا."
وأيضًا فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضًا) .
روى جابر رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطًا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله - ثم تلا هذه الآية:"وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"؛ وهذه السبل تشمل اليهودية والنصرانية، والمجوسية، وسائر أهل الملل، وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد كما قال ابن عطية.
المتفلت
هو المتبع لهواه، الذي لا يدور مع الدليل حيث دار، ولا يكلف نفسه باتباع الأرجح الأقرب إلى السنة بالاجتهاد في أقوال المفتين ولو كان أميًا، فاتباع الهوى يحدث بالآتي:
1.التقليد لما تهواه نفسه، والتذرع باتباع أحد الأئمة المقتدى بهم قديمًا أوحديثًا.
2.أوبالتشهي في اختيار الأقوال.
3.أوبتتبع الرخص والزلات.
4.أوباتباع ما لا يسبب له حرجًا مع مجتمعه ولا يخالف ما ألفه الناس واعتادوه.
5.أوعن طريق التزيين والتقبيح العقلي.
6.أوبالجدل والمراء.
7.أوعن طريق تقليد الآباء والأجداد.
أسباب اتباع الهوى كثيرة ولا يمكن الإحاطة بها، ولكن أخطرها ما يأتي:
1.الجهل بمصدر وكيفية التلقي في الشرع.
2.عدم تلقي العلم من المشايخ الملتزمين بمنهج السلف الصالح.
3.اتخاذ الرؤوس الجهال.
4.التعامل مع الكتب مباشرة.
5.غياب الأدب والسلوك، أي تزكية النفوس.