فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 1363

2.ما سلك فجًا - أي طريقًا - إلا وسلك الشيطان فجًا غيره، أي كان يخيف الشياطين ليقينه أن كيد الشيطان ضعيف.

3.وافق القرآن في سبع مواضع.

4.إسلامه كان فارقًا وفاصلًا بين عهدين.

5.هو وأبوبكر ممن أمرنا بالاقتداء بهما:"اقتدوا باللذين من بعدي".

لهذا وغيره كثير كان عمر لا يخشى الفتنة الخاصة، فتنة الأهل، والمال، والولد، فقد كان مأمون الجانب منها، وذلك لتقواه، وعلو همته، وحزمه، وعلمه، ولهذا قال لحذيفة:"ليس عن هذا أسألك"، ولأنه كان حريصًا على مصلحة الإسلام والمسلمين أكثر من حرصه على مصالحه الخاصة، سأله عن الفتن الكبرى التي تموج كما يموج البحر، ذات الضرر المتعدي على الإسلام وأهله، والتي حفظه الله من أن يرى شيئًا منها، بل كان هو حاجزًا منيعًا وسدًا قويًا للفتن أن تصل إلى أهل الإسلام، إذ كان هو الباب بينها وبين المسلمين، وعندما استشهد عمر كسِر هذا الباب، وتتالت وتوالت من بعده الفتن على الإسلام، ولا تزال تترى، وما نشاهده الآن وما نعيشه هذه الأيام ما هو إلا فصول رئيسة وأدوار كبيرة من تلك الفتن التي ليس لها من دون الله كاشف.

أخطر صور الفتن التي تصيب المرء في ماله، وأهله، وولده

الفتن التي يتعرض لها الإنسان من الأهل، والولد، والمال، والجيران، والأرحام، وغيرهم، كثيرة جدًا، ولا يمكن حصرها ولا الإحاطة بها، ولكن يمكن التنبيه والتذكير بأكثرها شيوعًا وأعظمها ضررًا ليُقاس عليها.

لقد بين الله عز وجل أن الأموال والأولاد فتنة، وإن تفاوتت في قدرها وخطرها، وقرر كذلك عداوة بعض الأزواج، والأصدقاء، والخلطاء لبعض، ذكورًا كانوا أم إناثًا، فقال:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم"، وقال:"يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم"، وقال:"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين"، وقال:"إن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض"، وقال:"وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم".

من تلكم الصور ما يأتي:

أولًا: النهي والتثبيط عن الغزو، والجهاد، والهجرة، والصدقة، وغيرها من سبل الخير

جاء في سبب نزول قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم"، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:"نزلت هذه الآية في المدينة في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده، فنزلت؛ وفي رواية أنه كان ذا أهل وعيال، وكان إذا أراد الغزو بكوا عليه، ورققوه فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم، فنزلت:"يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم.."الآية."

وقيل في سبب نزولها: أن رجالًا من أهل مكة أسلموا وأرادوا الهجرة، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتوا المدينة رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهموا أن يعاقبوا أهليهم، فأنزل الله:"فإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم".

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي وإن نزلت في هؤلاء أوأولئك فحكمها عام وشامل.

قال ابن العربي المالكي رحمه الله: (هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدوًا لذاته، وإنما كان عدوًا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوًا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة؛ فمن حال بين المرء وبين فعل القربات والطاعات فقد سلك مسلك عدونا وعدو أبينا آدم عليه السلام:"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير".

خرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له: أتؤمن، وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك، فتُنكَح نساؤك، ويُقسَّم مالك؟ فخالفه، فجاهد فقتِل، فحق على الله أن يدخله الجنة".

قال القرطبي رحمه الله:(وقعود الشيطان يكون بوجهين:

أحدهما: يكون بالوسوسة.

والثاني: بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج، والولد، والصاحب).

كان الأنبياء وأتباعهم يخافون من فتنة الزوج والولد، لذلك عندما جاء الخليل متفقدًا ولده إسماعيل بمكة ولم يجده، ووجد زوجه، وشعر أن عندها ميلًا إلى الدنيا وقلة قناعة، قال لها: أقري زوجك مني السلام وقولي له: غيِّر عتبة بابك؛ كناية عن طلاقها.

ولذات السبب طلب عمر رضي الله عنه من عبد الله ابنه أن يطلق زوجة له خشي أن تشغله عن الغزو والجهاد، فأبى، فشكاه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأمره بطلاقها فطلقها.

التعلق بالمال والولد والأهل من المهلكات، ومن أسباب التعاسة في الدنيا والشقاء في الآخرة:"تعِسَ عبدُ الدينار، تعِسَ عبدُ الدرهم، تعِسَ عبدُ الخميصة، تعِسَ عبدُ القطيفة، تعِسَ وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش"، الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت