فلا دناءة أعظم من عبادة الدينار والدرهم، ولا همة أخس من همة ترتفع بثوب جديد.
هذه العداوة ليست قاصرة على الزوجة والأولاد، بل ربما تكون عداوة الزوج لزوجته وأولاده وفتنته لهم أشد وأنكى.
لهذا قصر الله الطاعة فيمن تجب طاعته في المعروف فقط:"وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا".
فتنة الأهل والولد درجات، فقد تصل الفتنة إلى درجة الكفر، وقد تقصر عن ذلك:"فأما الغلام فكان أبواه مؤمِنَيْن فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا".
روى الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:"رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله عز وجل:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة"، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"، ثم أخذ في خطبته، وروي عنه أنه قال:"الأولاد مجبنة مبخلة".
وجاء في حكمة عيسى عليه السلام:"من اتخذ أهلًا ومالًا وولدًا كان للدنيا عبدًا".
ثانيًا: أن يضطروه ويجبروه على المكاسب المحرمة والمشبوهة
من صور الفتنة التي قد تحدث لبعض الناس من أهليهم وأولادهم أن يدفعوهم إلى بعض المكاسب الخبيثة المشبوهة، وهذه من أخطر الصور وأضرها على المرء وعلى أهله وأولاده، فالواجب على المرء أن يقي نفسه وأهله أكل الحرام المؤدي إلى دخول النار:"كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به"، ولهذا عندما رأى رسولنا الحسن يرفع تمرة من تمر الصدقة المحرمة على رسول الله وآله إلى فيه، قال له:"كخ كخ"حتى رماها؛ وعندما علم أبوبكر أن غلامه تكهن وأتاه بطعام تقيأه بعد ما أدخله في فيه، وقال: لو لم يخرج إلا مع نفسي لأخرجته.
ثالثًا: أن يحابي بعض أزواجه وأولاده دون بعض
هذه كذلك من صور الفتن الخطيرة التي ابتلي بها البعض، حيث يمنح بعض أزواجه أوولده دون الآخرين، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المسلك وحذر منه، وقال لبشير بن سعيد عندما أراد أن يمنح ابنه النعمان حديقة:"أكل بنيك منحت هكذا؟ قال: لا؛ فقال:"لا تشهدني على جور، أشهد على ذلك غيري"الحديث."
سواء كانت هذه المنحة عن طريق الهبة أوالوصية أوبأي طريق من طرق الاحتيال.
رابعًا: عدم الصبر والثبات إذا أصيب في شيء من ماله، أوأهله، أوولده
من الفتن العظيمة والمخاطر الجسيمة التي يقع فيها البعض بسبب مصيبة تحل بماله أوولده، فلا يصبر ويحتسب، وإنما يصيح ويجزع، فيخسر الدنيا والآخرة.
عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة التي أصيبت في ولدها:"اصبري واحتسبي"، قالت له ولم تكن تعرفه: إليكَ عني، فلو أصابك ما أصابني..، فتركها، وعندما علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت إليه نادمة معتذرة، فقال له:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، ولهذا عظم ثواب وأجر المحتسبين، فقد صح عنه أنه قال:"يقول المولى عز وجل للملائكة الموكلين بقبض الأرواح: قبضتم ولد عبدي، قبضتم ثمرة فؤاده؟ يقولون: نعم، يقول لهم: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".
لقد هذب الإسلام عواطف أتباعه وسما بها حتى غدوا يتنافسون في الصبر والثبات والاحتساب، فعندما مات ولد أبي طلحة فكتمت أمه أم سُليم الخبر حتى تعشى ونال منها، ثم أخبرته أن صاحب الأمانة استردها، قائلة: احتسب ولدك؛ قال: والله لن تغلبيني على الصبر؛ فصبر واحتسب، فعوضهما الله خيرًا منه.
وكذلك فعلت الخنساء التي بكت أخاها صخرًا ورثته رثاء حزينًا صادقًا في جاهليتها، ولكن عندما شرفها الله بالإسلام حضت أولادها الأربعة على الجهاد، وحذرتهم من الفرار، وخرجت لخدمتهم في واقعة القادسية، فاستشهد أربعتهم، فاحتسبتهم وحمدت الله واسترجعت، ولم ترثهم ببيت واحد.
وكذلك فعلت تلك الصحابية التي استشهد لها عدد من الولد في غزاة من الغزوات، فقالت: كيف رسول الله؟ قالوا لها: بخير؛ فقالت: أرونيه؛ فلما رأته قالت: كل شيء بعدك جلل؛ أي سهل وحقير.
فعلى المسلمين أن يتأسوا بسلفهم الصالح، ويقتدوا بهم، وأن يتذكروا عند المصائب مصابهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث لم يصب مسلم مصابًا أشد ولا أكبر منه.
خامسًا: غلبة العواطف، فيلبي جميع الكماليات، ويقصِّر في أوجب الواجبات
من الواجب على المرء الإنفاق على الزوجة والأولاد، ولكن نجد بعض الأزواج والآباء يبالغون في تلبية جميع الكماليات، التي في كثير من الأحيان يكون فيها إفساد لهم، بجانب الإرهاق المادي لمن يتكلفون لذلك، بينما نجد تقصيرهم كبير فيما أوجبه الله عليهم من تعليمهم، وإرشادهم، وتوجيههم، ومراقبة تصرفاتهم، والاطمئنان على صلاح من يرافقون ويصادقون.