فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 1363

مما خُصَّ به نبينا الكريم ورسولنا العظيم على سائر الأنبياء والمرسلين أن معجزته الكبرى وهي القرآن الكريم باقية خالدة ما بقيت الدنيا، لتكفل الله عز وجل بحفظها، لحاجة البشرية إليها، هذا بجانب معجزاته الخبرية الكثيرة التي تدل في كل وقت وحين على صدق رسالته وحقيقة نبوته، وتزيد في صدق الصادقين، وتكشف زيف الشاكين فيه.

لم يتضح لي مغزى تركيز الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته العظيمة الفريدة في حجة الوداع على تعظيم حرمة المسلم وماله وعرضه على إخوانه المسلمين من أول وهلة، وتحذيره من قتل المسلم لأخيه المسلم وعن القتال في الفتنة وتحت الرايات العمية، إلا بعد الاطلاع على المآسي العظيمة والكوارث الجسيمة التي لحقت بالإسلام والمسلمين في الماضي، وإلا بعد شهود التحارب والتدابر الذي دار في هذا العصر في بعض ديار الإسلام، في أفغانستان، والصومال، وفي ثالثة الأثافي فتنة دارفور التي نكتوي بنارها هذه الأيام، حيث يقاتل المسلم أخاه المسلم، وينال من ماله وعرضه، ويحاول استئصاله والقضاء عليه ما وجد إلى ذلك سبيلًا، مستعينًا في ذلك بالكفار والمفسدين من أعداء الملة والدين، غير ملتفت ولا مستمع لما قاله رسوله صلى الله عليه وسلم، وغير مكترث لمغبة ونتائج هذا التحارب والتدابر، نحو:

1.عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".

2.وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا ترتدوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".

لقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم لفظ الكفر على هذا الفعل لشناعته وقبحه، ومبالغة في التحذير منه، لينزجر السامع عن الإقدام عليه.

3.وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال:"أتدرون أيُّ يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: أي بلد هذا؟ أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قلنا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فإنه ربَّ مبلغ يبلغه من هو أوعى له، فكان كذلك. قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".

4.وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار"، قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال:"إنه أراد قتل صاحبه".

5.وقال عبد الله بن مسعود: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".

عندما وقعت الفتنة في عهد الصحابة رضي الله عنهم بين علي وعائشة، وطلحة، والزبير، ومن معهم من ناحية، وبين علي ومعاوية من ناحية أخرى، لم يزد عدد الذين شاركوا فيها على الأربعين من الصحابة، من جملة عشرة آلاف، وحتى أولئك الأربعين لم يبادر أحد منهم بالقتال، ولكن دعاة الفتنة ومؤججي الحرب بين هذه الطوائف هم الذين أشعلوا نار القتال وتولوا كبرها، وكان المشاركون من الصحابة رضوان الله عليهم متأولين، ولم يكن علي ولا غيره منشرحًا لقتال أهل الجمل وصفين كانشراحه لقتال أهل الأهواء في النهروان، بل قال مبشرًا قاتل الزبير:"بشِّر قاتل ابن صفية بالنار".

وكان الصحابة رضوان الله عليهم ساعة القتال وبعده موالين لإخوانهم المسلمين، فكان يصلي بعضهم على قتلى بعض، ويترحَّمون عليهم، وقد استقبل علي رضي الله عنه عائشة بعد الجمل أجمل استقبال، وأكرمها أيما إكرام، وأخرج الحسن والحسين مشيعين لها من الكوفة، وأخرجها في عدد من النساء إلى المدينة.

لقد حذر رسولنا صلى الله عليه وسلم عن القتال في الفتن، ونهى عنه أشد النهي، ونهى عن ذلك أصحابه والسلف الصالح، ومما جاء في ذلك ما يأتي:

1.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ ومعاذًا فليعذ به".

2.وعن أبي بكرة رضي الله عنه عند مسلم:"فإذا نزلت فمن كان له إبل فليحلق بإبله - وذكر الغنم والأرض؛ قال رجل: يا رسول الله، أرأيتَ من لم يكن له؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينجو إن استطاع".

3.وعن ابن مسعود رضي الله عنه في الفتنة:"قلتُ: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركتُ ذلك؟ قال: كفَّ يدك ولسانك، وادخل دارك؛ قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إن دخل رجل عليَّ بيتي؟ قال: فادخل مسجدك - وقبض بيمينه على الكوع - وقل: ربِّي الله، حتى تموت على ذلك".

4.وعن جندب رضي الله عنه يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني عند نزول الفتنة:"ادخلوا بيوتكم، وأخملوا ذكركم؛ قال: أرأيتَ إن دُخِل على أحدنا بيته؟ قال: ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت