5.وعن خرشة بن الحُرِّ يرفعه:"فمن أتت عليه فليمش بسيفه إلى صفاة فليضربه بها حتى ينكسر، ثم ليضطجع لها حتى تنجلي".
6.وعن أبي بكرة عند مسلم:"قال رجل: يا رسول الله، إن أكرهتُ حتى يُنْطلق بي إلى أحد الصَّفين، فجاء سهم أوضربني رجل بسيف؟ قال: يبوء بإثمه وإثمك".
7.وقال أبو بكرة رضي الله عنه ردًا على من ظن أنه سيقاتل أحدًا من المسلمين ولو دخل عليه داره:"لو دخلوا عليَّ داري ما رفعتُ عليهم قصبة، لأني لا أرى قتال المسلمين، فكيف أقاتلهم بسلاح؟".
يجب على المسلمين عامة، وعلى ولاة الأمر خاصة من العلماء والحكام، عند نزول الفتن بين المسلمين السعي الحثيث للإصلاح بين المتقاتلين، وعدم تأجيج نار القتال، امتثالًا لأمر ربهم:"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين".
وعملًا بنصيحة رسولهم:"انصر أخاك ظالمًا أومظلومًا"، فقال رجل: يا رسول الله، أنصرُه إن كان مظلومًا، أرأيتَ إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال:"تحجزه - أوتمنعه- من الظلم فإن ذلك نصره".
والعمل على تحكيم الشرع والعقل، وعدم الخضوع لأعداء الدين المتظاهرين بنصرة المظلومين، الصائدين في الماء العكر، إذ هدفهم تحقيق مآربهم، وتفكيك وحدة المسلمين، والطعن في الأخوة الإيمانية، وإحياء النعرات العرقية والعنصرية.
قال الإمام الطبري رحمه الله معلقًا على الأحاديث التي وردت في الفتن، وتنهى وتحذر عن قتال المسلم، وتأمر بحرمة دم المسلم وماله وعرضه:
(اختلف السلف، فحمل ذلك بعضهم:
1.على العموم، وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقًا، كسعد، وابن عمر، ومحمد بن مَسْلمة، وأبي بكرة في آخرين، وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها.
ثم اختلف هؤلاء:
أ. فقالت طائفة بلزوم البيوت.
ب. وقالت طائفة بالتحول عن بلد الفتن أصلًا.
ثم اختلفوا:
أ. فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكف يده ولو قُتِل.
ب. ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وعن ماله، وعن أهله، وهو معذور إن قَتَلَ أوقُتِل.
2.وقال آخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها، ونصبت الحرب، وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطئ ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور.
3.وفصَّل آخرون، فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعي.
قال الطبري: والصواب أن يقال: إن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها.
4.وذهب آخرون إلى أن الأحاديث في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك.
5.وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان، حيث يحصل التحقق إنما هي في طلب الملك، وقد وقع في حديث ابن مسعود الذي أشرتُ إليه:"قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: أيام الهَرْج؛ قلت: ومتى؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه").
وقال الحافظ ابن حجر معلقًا على تلك الأحاديث: (وفيها التحذير من الفتنة، والحث على اجتناب الدخول فيها، وأن شرها يكون بحسب التعلق بها، والمراد بالفتن ما ينشأ عن الاختلاف في طلب المُلك، حيث لا يُعلم المحق من المبطل) .
على المسؤولين من الحكام وقادة وزعماء هذه الفئات المتقاتلة المتنافرة أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم أولًا، وفي إسلامهم ثانيًا، وفي أهلهيهم ثالثًا، وفي غيرهم من المسلمين رابعًا، وليعلموا أنه لن تزول قدما أحد منهم عن الصراط حتى يسأل عن كل دم أريق، وكل عرض انتهك، وعن كل حق اغتصب، وعن كل زرع أحرق، وبهيمة نهبت، وعن عدم الاستقرار والاطمئنان الذي أصاب تلك البقعة الآمنة من بلاد المسلمين، وأولئك السكان الأبرياء من إخواننا المسلمين، وعن فتح المجال لتدخل المنظمات الكنسية الحاقدة على الإسلام والمسلمين بحجة تقديم العون، والغذاء، والدواء للنازحين، وهم في الحقيقة يزرعون الحقد، ويشيعون البغضاء بين إخوة العقيدة، ويؤججون الفتنة، ويحملون معهم الأسلحة فهم مفسدون في الأرض، محاربون لله ولرسوله.
واعلم أخي الحبيب أن وحدة الأمة الحقيقية في إسلامها وسلامة عقيدتها، ليس في أعراقها ولا قبائلها وأجناسها، فكل الخلق من آدم، وآدم من تراب.
لقد امتن الله عز وجل على الأوس والخزرج الذين كادت الحروب الأهلية أن تبيدهم وتفنيهم بعد دخولهم في الإسلام، واعتصامهم بحبله المتين:"واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها".
فالعاقل من اتعظ بغيره، والجاهل من اتعظ بنفسه.