وقال الصنعاني في"سبل السلام"معلقًا على رواية النسائي السابقة: (وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات، قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابن خزيمة، قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر، لأنه لإيقاظ النائم، وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة) .
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن موضع"الصلاة خير من النوم"في أذان الصبح، أفي الأذان الأول أم الثاني؟ وسبب السؤال أن بعض الإخوان بالخرطوم اطلعوا على ما ذكره صاحب سبل السلام أن"الصلاة خير من النوم"تقال في الأذان الأول خلاف ما عليه المسلمون الآن خاصة في المملكة، فأجابت:(الأحاديث الواردة في هذا الباب منها ما ذكر علماء الجرح والتعديل أنه معلول، ومنها ما صححه بعضهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ورد ما يدل على أن التثويب في الأذان الأول، وورد ما يدل على أنه في الأذان الثاني، فروى السراج والطبراني والبيهقي حديث ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر قال: كان الأذان الأول بعد"حي على الصلاة حي على الفلاح""الصلاة خير من النوم"مرتين. قال ابن حجر: وسنده حسن؛ وقال اليعمري: وهذا إسناد صحيح.
وروى ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي عن أنس أنه قال: من السنة إذا قال المؤذن في الفجر"حي على الفلاح"، قال:"الصلاة خير من النوم".
قال اليعمري: وهذا إسناد صحيح، وقال الإمام بَقِي بن مُخلد حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا أبوبكر بن عياش حدثني عبد العزيز بن رفيع سمعت أبا محذورة قال:"كنت غلامًا صبيًا فأذنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على الفلاح، قال: ألحق فيها الصلاة خير من النوم"، ورواه النسائي من وجه آخر عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن أبي محذورة وصححه ابن حزم.
ويمكن أن يقال بأن ما دل على أن التثويب يقال في الأذان الأول، وما دل على أنه يقال في الأذان الثاني، وقع أولًا في الأذان الأول ثم استقر الأمر على أن يقال في الأذان الثاني، إعمالًا لجميع الأدلة في ذلك كل في وقته، ويحتمل أن المراد بالأذان الأول الذي ذكر فيه ذلك، الدلالة على أن هذه الجملة تقال في الأذان لا في الإقامة، لأن الإقامة تسمى أذانًا ثانيًا، وأنها يطلق عليها مع الأذان الأذان الثاني) .
وسئل الشيخ العثيمين رحمه الله عن كلمة"الصلاة خير من النوم"هل هي في الأذان الأول أوفي الأذان الثاني؟ فأجاب:(كلمة"الصلاة خير من النوم"في الأذان الأول كما جاء في الحديث:"فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل: الصلاة خير من النوم"، فهي في الأذان الأول لا الثاني.
ولكن يجب أن يُعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت، والأذان الثاني هو الإقامة، لأن الإقامة تسمى"أذانًا".
إلى أن قال: أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس أذانًا للفجر، فالناس يسمون أذان آخر الليل الأذان الأول لصلاة الفجر، والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن بلالًا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم"، أي لأجل النائم يقوم ويتسحر، والقائم يرجع ويتسحر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث:"إذا حَضَرَت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم"، ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر، إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذانًا للفجر.
وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم"الصلاة خير من النوم"في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب.
وأما من توهم بأن المراد بالأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر فليس له حظ في النظر.
قال بعض الناس: الدليل أن المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل لأجل صلاة النافلة أنه يقول:"الصلاة خير من النوم"، وكلمة"خير"تدل على الأفضل) .
الخلاصة
الذي يترجح لدي من الأدلة وأقوال الأئمة السابقة وغيرها أن"الصلاة خير من النوم"تقال في أذان الصبح الثاني وليس الأول، وذلك للآتي:
أولًا: الأحاديث التي ورد فيها التصريح بأن"الصلاة خير من النوم"تقال في الأذان الأول فيها شيء من الاضطراب كما وضح ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، وما سلم منها أوِّل بأن المراد بالأذان الأول الأذان الثاني، نسبة للإقامة التي يطلق عليه أذانًا، ومن أهل العلم من رجح نسخ ذلك، فبعد أن كانت تقال في الأذان الأول استقرت في الأذان الثاني، ويدل على ذلك استمرار الناس عليه في معظم ديار الإسلام إلا من شذ.
الثاني: النظر الصحيح يدل على ذلك، فليس هناك شيء يمنع عن النوم المباح إلا شيء واجب، وهو دخول وقت الصبح.
الثالث: ما تعارف عليه الناس وألفوه في جل بقاع العالم الإسلامي يدل على رجحان ذلك.