فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 1363

قال ابن عبد البر:(وقد اختلف العلماء في جواز الأذان بالليل لصلاة الصبح، فقال أكثر العلماء بجواز ذلك، وممن أجازه مالك وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود، والطبري، وهو قول أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي الكوفي، وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم:"إن بلالًا يؤذن بليل"؛ وفي قوله هذا إخبار منه أن شأن بلال أن يؤذن للصبح بليل، يقول: فإذا جاء رمضان، فلا يمنعكم أذانه من سحوركم، وكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإن من شأنه أن يقارب الصبح بأذانه.

وقال أبوحنيفة والثوري ومحمد بن الحسن: لا يجوز الأذان لصلاة الفجر حتى يطلع الفجر، ومن أذن لها قبل الفجر لزمه إعادة الأذان؛ وحجة الثوري وأبي حنيفة ومن قال بقولهما: ما رواه وكيع عن جعفر بن برقان عن شداد مولى عياض بن عامر عن بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تؤذن حتى يتبين لك الفجر هكذا، ومد يده عرضًا".

إلى أن قال: واحتجوا أيضًا بما رواه حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي:"ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فرجع فقالها"؛ وهذا حديث انفرد به حماد بن سلمة دون أصحاب أيوب وأنكروه عليه، وخَطَّؤُوه فيه، لأن سائر أصحاب أيوب يرونه عن أيوب قال:"أذن بلال مرة بليل"الحديث.

إلى أن قال: واحتجوا أيضًا بما رواه شريك عن محلل عن إبراهيم - النخعي - قال: شيعنا علقمة إلى مكة، فخرج بليل، فسمع مؤذنًا يؤذن بليل، فقال: أمَّا هذا، فقد خالف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذن، ومحلل ليس بالقوي) .

واحتج هؤلاء كذلك بما حكاه ابن حزم عن الحسن البصري أنه قيل له: الرجل يؤذن قبل الفجر يوقط الناس؛ فغضب، وقال: علوج أفراغ، لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، من أذن قبل الفجر فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيها؛ وعن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل قالوا له: اتق الله وأعد أذانك.

وحكى ابن المنذر وغيره في المسألة مذهبًا ثالثًا عن طائفة من أهل الحديث إنه إن كان للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر والآخر بعد الفجر فلا بأس أن يؤذن للصبح إذا كان هكذا، وبه قال ابن حزم الظاهري، فقال: يجوز أن يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه، وينزل من المنارة أوالعلو ويصعد مؤذن آخر ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني).

قلت: لا شك في جواز الأذان للصبح قبل طلوعه وإنما الممنوع هو التبكير المخل بذلك، حيث أجاز بعضهم أن يؤذن للصبح بعد خروج الوقت الضروري للعشاء، ومنهم من قال يؤذن من بداية نصف الليل الثاني، وفي ذلك مخالفة واضحة للسنة، وللغرض من الأذان الأول، وهو أن يوقظ النائم لصلاة الصبح؛ وكذلك الممنوع الإضافات والتنبيهات التي ابتدعها كثير من المؤذنين، ولعل الذين كرهوا التأذين للصبح قبل طلوعه كرهوه لهذين السببين، وحق لهم أن يكرهوا ذلك، والله أعلم.

التثويب في أذان الفجر وهو قول"الصلاة خير من النوم"متى تقال: في الأذان الأول أم الثاني؟

ذهب أهل العلم في ذلك مذاهب، هي:

الأول: التثويب يكون في أذان الصبح الأول، استدل هؤلاء بالآتي:

1.بما رواه النسائي:"الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأذان الأول من الصبح".

2.وبما رواه أحمد:"فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل: الصلاة خير من النوم".

الثاني: التثويب يكون في أذان الصبح الثاني، وهذا الذي عليه العمل الآن في عامة بلاد الإسلام، واستدل هؤلاء بالآتي:

1.أن المراد بالأذان الأول هو الأذان الثاني الذي يكون بعد دخول الوقت، والأذان الثاني الإقامة، فالإقامة تسمى أذانًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"بين كل أذانين صلاة".

2.الأحاديث الواردة في أن التثويب في أذان الصبح الأول منها ما هو معلول، ومنها ما صححه بعضهم وضعفه آخرون.

الثالث: يجوز أن يكون في الأذان الأول أوالثاني، استدل هؤلاء بما رواه ابن سيرين عن أنس قال:"من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حي على الصلاة حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم".

أقوال العلماء في ذلك

قال ابن شاس المالكي رحمه الله: (ويزيد في الصبح بعد قوله"حي على الفلاح":"الصلاة خير من النوم"وهو التثويب، وهو مثنى على المشهور، وقال ابن وهب: يقول مرة واحدة الصلاة خير من النوم؛ ومشروعيته - أي التثويب - في أذان الصبح على العموم، وحكى الشيخ أبو إسحاق عن مالك أنه قال: من كان في ضيعته متنحيًا عن الناس أرجو أن يكون من تركها في سعة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت