فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 1363

إلى أن قال: وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق.. ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها، وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين).

ولله در عبد الله بن المبارك، ذلكم العالم المجاهد، حيث قال:

إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا

لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا

قال الذهبي رحمه الله في ترجمته:(فيقال إن الرشيد أعجبه هذا، فلما بلغه موت ابن المبارك بهت، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا فضل ائذن للناس يعزونا في ابن المبارك. وقال: أما هو القائل:

الله يدفع بالسلطان معضلة

فمن ذا الذي يسمع هذا من ابن المبارك، ولا يعرف حقنا).

قلت: قال ابن المبارك ذلك تدينًا واعتقادًا ، وليس تزلفًا ولا تقربًا للرشيد ولا لغيره، وما قاله هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، سلفًا وخلفًا، فابن المبارك ليس من المتزلفين، بل هو من العلماء الربانيين، والزهاد العابدين، والغزاة المرابطين، والأغنياء المحسنين، والإخوان الناصحين، والشجعان النادرين، كيف وهو من الذامين للحكام الجائرين الظالمين، ولعلماء السوء البطالين، وللرهبان الجهلة المفسدين، حيث قال:

رأيت الذنوب تميت القلوبَ ويورث الذل إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب و خير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء و رهبانها

قال كعب الأحبار: مثل الإسلام، والسلطان، والناس، مثل الفسطاط، والعمود، والأوتاد؛ فالفسطاط الإسلام، والعمود السلطان، والأوتاد الناس.

وقد صاغ هذا المعنى شعرًا الأفوه الأودي، حيث قال:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

والبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

وإن تجمع أوتادًا وأعمدة يومًا فقد بلغوا الأمر الذي كادوا

• لقد شرط الإسلام في إمام المسلمين شروطًا ينبغي مراعاتها كلها أو جلها فيمن يراد منه أن يكون إمامًا للمسلمين، وهذه الشروط منها ما يعين على الاستقرار، ومنها ما يعين على إقامة العدل، ومنها ما يتعلق بسياسة الرعية، حتى يتسنى للإمام أن يقوم بواجبه خير قيام، ويؤدي ما عليه خير أداء في أمور الدين والدنيا، إذ وظيفة الإمام الأساسية حماية الدين، ورعاية مصالح الناس الدنيوية التي لا تقوم الحياة إلا بها.

قال العلامة ابن خلدون رحمه الله: (والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) .

فالشروط التي يجب توفرها في الإمام هي:

1.الإسلام، فلا ينبغي لكافر أن يكون إمامًا للمسلمين، قال تعالى:"ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا"، فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كيف وقد قال بعض أهل العلم ـ أبو حنيفة رحمه الله:"إذا فسق الحاكم فقد انحلت بيعته"، فكيف بالكافر!

2.وعليه ينبغي للمسلمين أن لا يمكنوا أحدًا من الكفار من ولايتهم، كبرى كانت الولاية أم صغرى، لا نائبًا، ولا وزيرًا، ولا قاضيًا، ولا عاملًا، ونحو ذلك.

3.الذكورية: فإمام المسلمين ينبغي أن يكون ذكرًا، لقوله تعالى:"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض"، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، ومع ذلك نجد أكبر الدول الإسلامية الآن حكمت أو تحكمها نساء، تقليدًا للكفار، ومحادة لشرع الله، وهي أندونيسيا، وبنقلاديش، وباكستان، وتركيا، نعوذ بالله من الخسران.

4.أن يكون من قريش، إن وجد منهم أحد توفرت فيه الشروط الأخرى، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان"، وفي رواية:"الأئمة من قريش"، قال ابن خلدون رحمه الله بعد أن رد شبه الرادين لهذا الشرط: (الجمهور على القول باشتراطها) ، وقال إمام الحرمين عبد الملك ابن الجويني وهو يتحدث عن صفات الإمام القوَّام على أهل الإسلام: (فأما الصفات اللازمة، فمنها النسب، فالشرط أن يكون الإمام قرشيًا، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو، وليس ممن يعتبر خلافه) .

5.أن يكون ذا عصبية، أي له جماعة أو قبيلة تسنده.

6.أن يكون بالغًا عاقلًا.

7.أن يصلح أن يكون قاضيًا.

8.أن يكون عدلًا.

9.أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف:

الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي في المكان الثاني

10.أن يكون شجاعًا صامدًا.

11.أن يكون سليم الحواس.

12.أن يكون حرًا.

13.أن يكون ممن لا تأخذه في إقامة الحدود، وضرب الرقاب، وقطع الأبشار بحقها، رأفة.

14.أن يكون على مذهب أهل السنة والجماعة.

15.أن يكون ذا تقوى وورع.

هذه الشروط ينبغي أن تتوفر كلها أو جلها في إمام المسلمين، فما لا يدرك كله لا يترك جله، وبعضها أهم من بعض، فيجب تقديم الأهم ثم المهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت