جاء في مقدمة كتاب الشيخ عبد الحميد طهماز في رده على الشيخ القرضاوي كلمات مفيدة ونصائح عديدة يحتاج إليها طالب العلم، حيث قال جزاه الله خيرًا:(ولا مناص لكل باحث في أحكام الشريعة الإسلامية من الرجوع إلى آرائهم وأقوالهم، وأن كل من سولت له نفسه مخالفة أقوالهم، والخروج على آرائهم، وقع في الخلط والخبط والتناقض والتهافت لأنه ما أحاط بالأدلة إحاطتهم، ولا فهم النصوص فهمهم، وهم أقرب منه إلى عصور الخير والصفاء تلقيًا وفهمًا، وكان عليه قبل أن يخالفهم أن يدرس أدلة أقوالهم، ليجد أنهم رحمهم الله تعالى ما خرجوا عن الكتاب وما خالفوا السنة، بل صدروا عنهما في كل أقوالهم وآرائهم، وبين أيدينا مثال عملي لهذا وهو كتاب"الحلال والحرام في الإسلام"، فقد خرج مؤلفه الشيخ يوسف القرضاوي عن آراء الأئمة في كثير من مسائله، إلى أقوال شاذة، أوضعيفة الثبوت، أومنحولة مدسوسة على قائلها، وليته قبل أن يسجلها في كتابه وازن بينها وبين الأقوال المعتمدة عند الأئمة وقارن بين أدلة هذه وأدلة تلك، ولو فعل هذا لظهر له ضعفها وشذوذها، وبالتالي ما أثبتها في كتابه كرأي معتمد يفتي به جمهور المسلمين وأجيالهم اللاحقة، أقول هذا على أنني على يقين من حسن نيته وصفاء طويته، فما ذكر هذه الأقوال الشاذة إلا بدافع إظهار الإسلام بمظهر اليسر والمرونة، وليس يسر الإسلام ومرونته في مجاراة أهواء الناس وميولهم، إنما يسر الإسلام في مرونة نصوصه، وسهولة تكاليفه التي يستطيع القيام بها أي إنسان في أي زمان ومكان، أما أن نلجأ تحت شعار التيسير والتسهيل على الناس إلى الأقوال الشاذة والضعيفة والمنحولة فنخرق أسوار الشريعة ونتجاوز حدودها فلا يجوز لنا أبدًا، سواء كان ذلك بحسن نية أوبسوء نية.
ولقد قرر المؤلف بنفسه هذا عندما قرر المبادئ التالية:
النية الحسنة لا تبرر الحرام.
التحايل على الحرام حرام.
ما أدى إلى الحرام فهو حرام.
في الحلال ما يغني عن الحرام.
وكما أخذ المؤلف من المقلدين الذين يسارعون إلى إطلاق كلمة حرام بدون أن يكون معهم دليل ولا شبه دليل نأخذ عليه إسراعه إلى الأقوال الضعيفة والشاذة، وتسجيلها في كتابه كأنها آراء معتبرة ومحققة يجوز الأخذ بها والعمل بمقتضاها) .
مما يحز في النفس ويدعو إلى الحزن والأسى غرور واستكبار سالكي هذا المنهج - منهج التفلت - ومقلديهم، حيث يصفون المخالفين لهم وهم المتبعون الملتزمون لما كان عليه رسول الإسلام، والسلف الكرام، والأئمة الأعلام، بالتشدد والتزمت، والجهل بالفقه ومقاصد الشريعة، ويمدحون أنفسهم بأنهم هم الفقهاء العلماء الحكماء، وهذا والله من اختلاف الموازين، وبسبب جهل وخلل في الدين، وغرور مشين، ويصدق عليهم المثل:"رمتني بدائها وانسلت"، إذ لا يعني الفقه بحال من الأحوال معارضة وردِّ النصوص الصريحة الصحيحة، ولا البحث والتفتيش عن الزلات، والسقطات، والرخص، والهفوات، ولا التشهي في الفتوى بما يهواه المستفتون، ويطلبه المستمعون، وينعق به الناعقون.
فبينما تجدهم يمدحون ويثنون على ابن حزم رحمه الله فيما خالف فيه السنة والإجماع، وشنع عليه بسببه الأئمة الأعلام، لإباحته الأغاني، يخالفونه ويذمونه فيما وافق فيه الإجماع.
وبينما يوصف أبوحنيفة رحمه الله بإمام الأئمة إذا صادف ما قاله الهوى وتشتهيه النفوس، يُذم وينتقص إذا كان مذهبه:"أن التلذذ بالغناء كفر"، كما نقل ذلك ابن القيم رحمه الله عن مذهبه، وأن وجه المرأة عورة، وأن حلق اللحى حرام، إلى غير ذلك، وهو معذور حيث قال:"هذا رأيي فمن جاءني برأي خير منه قبلته"، ولم يقل:"هذا شرع محمد صلى الله عليه وسلم"، ولهذا رجع أكبر تلاميذه القاضي أبويوسف عندما جاء المدينة وناظره مالك عن كثير من الأمور، وقال:"لقد سمعتُ يا أبا عبد الله لقولك، ولو سمع صاحبي ما سمعتُ لرجع كما رجعتُ".
فهل لمن يسلك هذا المسلك المشين ويهجر ويترك ما قرره علماء الشرع والدين من شبيه أومثيل سوى المكنسة التي تلتقط الأوساخ، وإلا الذباب الذي لا يقع إلا على القاذورات، وإلا الجُعْل الذي اتخذ المراحيض مأوى له ومسكنًا، وفضلها على ما سواها من العمران؟!!!
ولله در القائل من سادتنا العلماء الأجلاء: من تتبع رخص العماء وزلاتهم وهفواتهم تزندق أوكاد، وتجمع فيه الشر كله.
وأخيرًا أحب أن أتوجه بكلمتين نصحًا لله ورسوله، إحداهما لفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، والثانية للمفتونين به المقلدين له في كل ما يقول، المتخذين إياه إمامًا يصدرون عن فتواه ولا يأخذون بقول من سواه، ولو جاءهم بأصح الأدلة وأجلاها، لما صادف ما قاله هواهم، إذ المقلد متبع لهواه مغضب لربه ومولاه:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا"، ولهذا قال العلماء: لا فرق بين مقلد وبهيمة تقاد، إذ التقليد مأخوذ من القلادة التي يقاد بها الحيوان؛ فليهنأ المقلد بشبه العجماوات.