وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على تبويب البخاري"باب اعتكاف النساء": (أي ما حكمه؟ وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث الباب، فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة، إلا أن ابن عيينة زاد في الحديث -أي حديث الباب- أنهن استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف، لقطعتُ بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز، انتهى؛ وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وبه قال أحمد) .
الذي يترجح لدي والله أعلم أن المرأة عليها أن تعتكف في مسجد بيتها، أي في عقر دارها، وذلك للآتي:
أولًا: لحديث عائشة رضي الله عنها، الذي جاء فيه:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصةً عائشةَ أن تضرب خباء، فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما اصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آلبرَّ ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرًا من شوال".
وذلك لعدم إقراره صلى الله عليه وسلم لهن ولتركه الاعتكاف في ذلك الشهر.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا عليه: (فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة من يراها) .
ثانيًا: قياسًا واستحسانًا على الصلاة المكتوبة، فإن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد الحي، وصلاتها في مسجد الحي أفضل من صلاتها في مسجد الجماعة، وهكذا، سيما أن الاعتكاف يوجب ملازمة المسجد والمكوث فيه لفترة طويلة، والصلاة الواحدة لا تزيد على ربع ساعة.
ثالثًا: ما أحدثه كثير من النساء في هذا العصر من مزاحمة الرجال ومن عدم التحشم والتستر.
رابعًا: إن اضطرت المرأة للاعتكاف في المسجد سيما في العشر الأواخر من رمضان عليها ألا تعتكف إلا مع زوجها وفي خباء ساتر.
قال ابن قدامة: (وإذا اعتكفت المرأة في المسجد، استحب لها أن تستتر بشيء لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربت في المسجد، ولأن المسجد يحضره الرجال، وخير لهم وللنساء ألا يرونهن ولا يرينهم) .
تنبيه: يجوز للعبد، والمرأة، والمسافر، والصبي المميز أن يعتكفوا حيث شاءوا من المساجد لعدم وجوب الجمعة عليهم.
5.الصوم
ذهب أهل العلم في اشتراط الصوم للمعتكف مذاهب:
1.الصوم ليس شرطًا لصحة الاعتكاف، وهو رواية عن أحمد، ومن الصحابة علي وابن مسعود رضي الله عنهما، واستدلوا بما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؛ قال: أوف بنذرك".
2.الصوم شرط لصحة الاعتكاف، وهذا مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، ورواية عن أحمد، ومالك من الأئمة، ومن الصحابة عائشة، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم، واستدلوا بما روته عائشة رضي الله عنها ترفعه:"لا اعتكاف إلا بصوم".
3.يستحب الصوم وليس شرطًا، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.
قال النووي: (قال الشافعي والأصحاب الأفضل أن يعتكف صائمًا، ويجوز بغير صوم، وبالليل، وفي الأيام التي لا تقبل الصوم، وهي العيد وأيام التشريق، هذا هو المذهب وبه قطع الجماهير في جميع الطرق) .
وقال مجد الدين أبو البركات ابن تيمية رحمه الله: (ويصح بلا صوم، إلا أن يشترطه بنذره، وعنه لا يصح بدونه) .
سئل ابن القاسم: (أيكون الاعتكاف بغير صوم في قول مالك؟ فقال: لا يكون إلا بصوم؛ وقال ذلك القاسم بن محمد، ونافع، لقول الله تعالى:"وأتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"، فقيل لابن القاسم: ما قول مالك في المعتكف إن أفطر متعمدًا، أينتقض اعتكافه؟ فقال: نعم) .
وقال الماوردي رحمه الله: (فأما الصوم فغير واجب فيه، بل إن اعتكف مفطرًا جاز، وكذلك لو اعتكف في العيدين وأيام التشريق، أواعتكف ليلًا جاز، وهو قول علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وأبي ثور، والمزني، وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وهو في الصحابة قول ابن عمر، وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم، أن الاعتكاف لا يصح بغير صوم، ولا في الأيام التي لا يجوز صيامها، تعلقًا بما رواه الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا اعتكاف إلا بصوم"، وبما روي عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"يا رسول الله إني نذرت اعتكاف يوم في الجاهلية، فقال: اعتكف وصم".)