وبعد...
فهذا بحث مختصر عن كيفية صلاة المريض، كتبته تذكيرًا لنفسي ونصحًا لإخواني المسلمين بعظم قدر الصلاة وخطورة التهاون فيها في حال المرض، وقد دفعني لذلك تهاون كثير من المرضى في السودان خاصة بأداء الصلاة المكتوبة سيما لو كان منومًا بمستشفى لإجراء عملية، حيث يترك البعض الصلاة إلى أن يخرج من المستشفى كأنه ضمن أنه سيخرج سليمًا ليقضي هذه الصلوات، ولو ضمن ذلك لما حل له أن يؤخر صلاة واحدة عن وقتها إلا في حال ذهاب العقل بإغماء أوجنون أوتخدير، وجهلهم كذلك بكيفية صلاة المريض العاجز عن القيام والركوع والسجود وعن تحقيق طهارة الحدث والخبث.
إن من أوجب الواجبات على أولياء المرضى الملازمين لهم في البيوت والمستشفيات، وعل الأطباء والممرضين في المستشفيات تنبيه المرضى المنوَّمين عندهم وتذكيرهم بالصلاة وبدخول أوقاتها، وإعانتهم على الطهارة ومساعدتهم، وهذا أهم من تناول جرعات الدواء في أوقاتها المحددة، وعلى إدارات المستشفيات أن تحدد القبلة في كل العنابر وغرف المنومين، وأن تعمل وتضع الملصقات التي تبين كيفية صلاة المريض العاجز عن القيام والقعود في الصلاة، وما شاكل ذلك، وهذا من باب النصيحة الواجبة لعامة المسلمين.
فالعجب كل العجب من اهتمام أولياء المرضى بإحضار كل ما يحتاجه المريض من دواء و طعام وغير ذلك وتهاونهم في تذكير المريض وتنبيهه وحمله على أداء الصلاة في وقتها بالكيفية التي يستطيعها، والصبر على ذلك، كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بقوله:"وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك".
وأمرنا بأن نقي أنفسنا وأهلينا النار، فقال:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد".
وعليك أن تقارن أخي الكريم بين حرص السلف الصالح في هذه الشأن وبين تفريطنا اليوم فيه، يقول ابن عباس رضي الله عنهما:"لما طُعن عمر رضي الله عنه احتملته أنا ونفر من الأنصار حتى أدخلناه منزله، فلم يزل في غشية واحدة حتى أسفر، فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين! ففتح عينيه، فقال: أصلى الناس؟! قلنا: نعم، قال: إما إنه لا حظ في الإسلام لأحد ترك الصلاة، فصلى، وجرحه يثعب دمًا".
وفي رواية: فقال رجل:"إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة"وذكر باقي الحديث.
اللهم اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء، وصلى الله وسلم وبارك على أفضل من صلى وصام وقام ونام وعلى آله وصحبه الغر الكرام.
طهارة المريض حسب الطاقة
من شروط صحة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، للبدن والملابس وموضع الصلاة، فمن استطاع أن يتطهر بالماء فليفعل، فإن كانت به جروح وكسور مجبرة أو مجبسة غسل الأعضاء السليمة في الوضوء والغسل ومسح على الجبائر والجبس، فإن عجز المريض عن استعمال الماء أوفقده انتقل إلى الطهارة الترابية، إلى التيمم بالتراب، فإن عجز عن استعمال الماء والتراب صلى بدون طهارة، ولا إعادة عليه.
وكذلك الأمر بالنسبة لطهارة البدن والملابس وموضع الصلاة، فإن استطاع أن يطهرها فعل، وإلا صلى على حاله مع خروج الغائط والبول منه، فقد صلى عمر رضي الله عنه كما سلف ودمه يسيل منه وثيابه كلها ملطخة بالدم.
قال في تهذيب المدونة للبراذعي: (وجائز أن يصلي المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبًا طاهرًا كثيفًا) .
تنبيه
مقطوع اليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين والأذنين أوعديمهما أووحيدهما غسل أومسح على الباقي وصلى.
كيفية صلاة المريض
يصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يستطع فعلى جنب الأيسر، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا على ظهره، فإن لم يستطع أومأ برأسه، فإن لم يستطع أشار بيده، فإن لم يتذكر لُقن، وهكذا، فإن عجز عن الإشارة بيده أومأ بطرفه، فإن عجز أجرى أفعال الصلاة على قلبه، فإن حبس لسانه وجب أن يجري القرآن والأذكار الواجبة على قلبه كما يجري الأفعال.
هذا ما عليه العامة، وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن من عجز عن الإيماء بالرأس سقطت الصلاة عنه، قال: وإن شفي فعليه القضاء؛ وهذا قول شاذ، لأن الصلاة لا ترفع عن أحد إلا إذا ذهب عقله، ورحم الله أبا حنيفة عندما قال: هذا رأيي فمن جاءني برأي خير منه قبلته، والحمد لله الذي لم يجعل في الخلاف المجرد عن الدليل حجة.
وإليك الأدلة
1.عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف، قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا".
2.وعن أنس رضي الله عنه قال:"سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرس فخدش ـ أوفجحش ـ بشقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة فصلى قاعدًا فصلينا قعودًا".