فهرس الكتاب

الصفحة 1273 من 1363

قال الونشريسي: (فالجمع للثلج لاأذكر فيه نصًا في مذهب مالك، واختلف علماء الشافعية فيه، فمنهم من أجازه ومنهم من منعه، لأنه يزول بنفضه من الثياب، والذي يترجح والله أعلم أنه إن كان كثيرًا جدًا ويتعذر نفضه يجوز) .

6.الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير سفر، ولا مرض، ولا خوف، ولا مطر، رفعًا للحرج

صحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة وهو صحيح مقيم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.

خرَّج مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف، ولا سفر"، وفي رواية:"بالمدينة".

وعلل ذلك بأنه لم يرد أن يحرج أمته، وأوَّل بعضُ أهل العلم جمعه صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر في المدينة وبين المغرب والعشاء، أن ذلك بسبب المطر، وقال بعضهم بسبب السفر، ومما يدل على أن في هذا التأويل بعد ونظر ما خرَّجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن شقيق قال:"خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تميم لا يفتر: الصلاة، الصلاة، فقال: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ثم قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء"، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيتُ أبا هريرة فسألتُه فصدَّق مقالته.

وفي رواية عنه:"قال رجل لابن عباس: الصلاة؛ فسكت، ثم قال: الصلاة؛ فسكت، ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة، وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا مطر، وقد استدل بما رواه على ما فعله، فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تعرض له، كما قال:"أراد أن لا يحرج أمته"، ومعلوم أن جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر ولا لسفر أيضًا، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها، ولجمع لمَّا خرج من مكة إلى منى وصلى بها العصر والمغرب والعشاء والفجر، فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا.

ثم قال رادًا على الإمام البيهقي رحمه الله، وهو من المؤوِّلين لجمعه بالمدينة بالمطر أوالسفر: قال البيهقي: ليس في رواية ابن شقيق عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما، أوعلى ما أوله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل، فيقال: يا سبحان الله! ابن عباس كان يخطبهم بالبصرة، فلم يكن مسافرًا، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعًا يحتج به على مثل ما فعله، فلو كان ذلك لسفر أومطر كان ابن عباس أجل قدرًا من أن يحتج على جمعه بجمع المطر والسفر.

وأيضًا فقد ثبت في الصحيحين عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال: لم ينفِ السفر؟ وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس، وقد روى عن سعيد أنه قال:"من غير خوف ولا مطر".

وأما قوله ـ أي البيهقي ـ أن البخاري لم يخرجه، فيقال هذا من أضعف الحجج، فهو لم يخرِّج أحاديث أبي الزبير، وليس كل من كان من شرطه يخرجه، وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير، فإنه ذكر ما أخرجه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء"، وفي رواية البخاري عن حماد بن زيد:"فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ فقال: عسى".

فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظن ليس من مالك، وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت لم يظنوا هذا الظن، ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلك على أن ابن عباس كان قصده جواز الجمع بالمدينة في الجملة، وليس مقصوده تعيين سبب واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت