فهرس الكتاب

الصفحة 1255 من 1363

إلى أن قال: والجواب عن حديث"المسيء صلاته"أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علمه الواجبات دون المسنونات، وهذا معلوم سبق ذكره مرات، وأما حديث وائل ولو صح وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة الاستراحة، لأنه ليس فيه تصريح بتركها، ولو كان صحيحًا لكان حديث مالك بن الحويرث وأبي حُميد وأصحابه مقدمًا عليه لوجهين.

أحدهما: صحة أسانيدها.

والثاني: كثرة رواتها.

ويحتمل حديث وائل أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت، أوأوقات تبيينًا للجواز، وواظب على ما رآه الأكثرون، ويؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث بعد أن قام يصلي معه، ويتحفظ العلم منه عشرين يومًا، وأراد الانصراف من عنده إلى أهله:"اذهبوا إلى أهليكم، ومروهم، وكلموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا كله ثابت في صحيح البخاري من طرق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا، وقد رآه يجلس للاستراحة، فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد لما أطلق صلى الله عليه وسلم قوله:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبي إسحاق المروزي من القوي والضعيف، ويجاب به أيضًا عن قول من لا معرفة له، ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه، وأما قول الإمام أحمد: إن أكثر الأحاديث على هذا ليس فيها ذكر الجلسة إثباتًا لا نفيًا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على مراده أن أكثر الأحاديث تنفيها، لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجل من أن يقول شيئًا على سبيل الإخبار عن الأحاديث ونجد فيها خلافه، وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها ولا نفيها لم يلزم رد سُنَّة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة، وأما قول الطحاوي: إنها ليست في حديث أبي حُمَيد فمن العجب الغريب، فإنها مشهورة فيه في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما من كتب السنن والمسانيد للمتقدمين، وأما قوله: لو شرعت لكان لها ذكر، فجوابه أن ذكرها التكبير، فإن الصحيح أن يمد حتى يستوعبها ويصل إلى القيام، كما سبق، ولو لم يكن فيها ذكر لم يجز رد السنن الثابتة بهذا الاعتراض، والله أعلم).

وقال ابن قدامة:(اختلفت الرواية عن أحمد، هل يجلس للاستراحة؟ فرُوِيَ عنه: لا يجلس، وهو اختيار الخِرَقي، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وبه يقول مالك، والثوري، وإسحاق، وأصحاب الرأي.. والرواية الثانية: أنه يجلس، اختارها الخلال، وهو أحد قولي الشافعي، قال الخلال: رجع أبو عبد الله إلى هذا، يعني ترك قوله بترك الجلوس.

إلى أن قال: وقيل إن كان المصلي ضعيفًا جلس للاستراحة، لحاجته إلى الجلوس، وإن كان قويًا لم يجلس، لغناه عنه، وحُمِلَ جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على أنه كان في آخر عمره، عند كبره وضعفه، وهذا فيه جمع بين الأخبار، وتوسط بين القولين).

وقال الخرقي: (ولا يجلس للاستراحة) .

وقال الشيخ البَسَّام حفظه الله:(لا شك في صحة أدلة الطرفين، ولذا فإن الأفضل هو الجمع بين النصوص، فيكون استحبابها عند الحاجة إليه من كِبَر أومرض أوعجز ونحو ذلك، ويكون تركها وعدم استحبابها عند الاستغناء عنها وعدم الحاجة إليها، وهذا هو نهج جماعة من المحققين.

قال الشيرازي في المهذب: إن كان ضعيفًا جلس لأنه يحتاج إلى الاستراحة، وإن كان قويًا لم يجلس لأنه لا يحتاج إلى الاستراحة. انتهى.

وجاء في حاشية الشيخ أبي القاسم على"الروض": ثبت أن النبي صلى فعلها، ولكن لم يذكرها كل واصف لصلاته، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة.

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم - آل الشيخ: جلسة الاستراحة من الأشياء العارضة، لا الراتبة، فيكون فعلها من السنة العارضة، لا الراتبة، وبهذا تجتمع الأدلة. انتهى.

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: أصح الأقوال الثلاثة في جلسة الاستراحة استحبابها عند الحاجة، واستحباب تركها عند عدم الحاجة. انتهى.

إلى أن قال: والقول بهذا التفصيل هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية) .

الخلاصة

أن القول الثالث هو أعدل الأقوال، أنها مستحبة لمن احتاج إليها لكِبَر أومرض أوسمن، وغير مستحبة لمن لا يحتاج إليها.

وإن كان في الأمر سعة فمن ترجح لديه استحبابها فعلها، ومن ترجح لديه عدم استحبابها تركها ولا حرج عليه، والله أعلم.

كيفية جلسة الاستراحة

قولان لأهل العلم:

1.يجلس مفترشًا على صفة الجلوس بين السجدتين، وهذا أرجحهما، لقول أبي حُمَيد السَّاعدي:"ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى رجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض"، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.

2.يجلس على أليتيه، وهي رواية ثانية عن أحمد، قال الخلال: روي عن أحمد ما لا أحصيه كثرة أنه يجلس على أليتيه.

قال القاضي أبو يَعْلَى: يجلس على قدميه وأليتيه مفضيًا بهما إلى الأرض.

كيف ينهض إلى القيام من جلسة الاستراحة؟

قولان لأهل العلم:

1.ينهض معتمدًا على يديه، وهذه هي العلة والحكمة من جلسة الاستراحة، وهذا مذهب مالك والشافعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت