فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 1363

وإن كان من أهل مغاسل الأموات بدأ حديثه بخمسة عشرة جنازة غسلها في يوم واحد، ثم نقلك بحديثه إلى السدر والكافور لكنه ليس مذكرًا ومخوفًا! بل مدعيًا مباهيًا.

والآخر ممن يعملون في نُصح الناس يسرد لك الأمر سردًا، ثم يضاعف الأرقام مضاعفة عجيبة وكيف اهتدوا على يديه! و‍ نسي المسكين أن الأمة هداها الله عز وجل على يد رجل واحد ، وأن أبا بكر - - أسلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة. هذا قبل الهجرةفحسب، فأين الثرى من الثريا؟!

ثامنًا: ذكر تقدير العلماء والمشايخ له، وأن فلانًا من طلبة العلم خصني بحديث لا يعرفه أحد، وأن فلانًا من العلماء سألني عن كذا وكذا وقام وودعني بنفسه! وسلسلة الخرز هذه طويلة إذا انقطعت!

قال محمد بن واسع: ( إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به ) .

تاسعًا: ذم الآخرين لإبراز نفسه ووجهة نظهره، فلو كنت مكان فلان ما فعلت، ولماذا الاستعجال، الأمور تؤخذ بعقل.. ثم يسرد لك موقفًا يظهر فيه نفسه وكيف تصرف بحكمة واتزان وأنهى الأمر حسب ما يراه!

قال بعض العلماء: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور.

وفي وسط هذه المهلكات - والعياذ بالله - تبرز صور مشرقة لأهل الإيمان ممن قتلوا حظوظ النفس.. فما أجمل صورة ذلك المؤمن الذي يعمل ويكره أن ينسب إليه شيء، وما أعظم من يجد ويجتهد ولا يرى نفسه إلا أنها حقيرة في جنب الله، بل ما أعظم من كتم حسناته كما يكتم سيئاته!

ولأهل الدعوة يقول ابن الجوزي: ( ما أقل من يعمل لله تعالى خالصًا، لأن أكثر الناس يحبون ظهور عبادتهم، اعلم أن ترك النظر إلى الخلق، ومحو الجاه من قلوبهم بالعمل وإخلاص القصد وستر الحال هو الذي رفع من رفع ) .

ولأهل الآخرة قال سهل بن عبد الله: ( ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها في نصيب ) .

أخي المسلم: كان الحسن يقول: ( روي أنه من قَبِلَ الله تعالى من عمله حسنة واحدة أدخله بها الجنة، قيل: يا أباسعيد: فأين تذهب حسنات العباد؟ فقال: إن الله عز وجل إنما يقبل الخالص الطيب المجانب للعجب والرياء، فمن سلمت له حسنة واحدة فهو من المفلحين ) .

عاشرًا: لإظهار النفس ترى البعض إذا عُرض عليه عمل وإن كان يسيرًا اعتذر مباشرة وله الحق إن شاء ذلك، لكن أن يعتذر بادعاء كثرة الأعمال والانشغال وتعدد الارتباطات و..! بل أصبح الادعاء بكثرة الأعمال موضة ظاهرة على ألسن بعض الناس، ومن الطرائف أن رجلًا خطب امرأة وذكر لها أنه مشغول بأمر الدعوة وأسهب في ذلك وقد لا يجد الوقت لإعطائها حقها. فردته وقالت إما أنه كاذب أو مراء. كاذب يدعي، أو يراءي ليرتفع في عيني، وإلا أين هو من رسول الله وأين هو من العلماء العاملين؟!

الحادي عشر: أحدهم يزور مكتبًا للدعوة دقائق معدودة كل ثلاثة أشهر، وكلما جلس مجلسا ًتحدث عن المكتب و أعماله وإنجازاته وتسيد الحديث وكأنه المسؤول الأول عن المكتب فيظهر دقيق الأمور وجليلها، ثم يطرح ما قرأ من مشاريع وطموحات ليوهم أنه يحمل هم الدعوة وأنه يجد مشقة في التردد على المكتب.

الثاني عشر: هناك من تستشرف نفسه لدرع يقدم له أو شهادة شكر تصل باسمه! ويصغي بسمعه أن يُثنى عليه وعلى جهده! ويتحدث ويكتب عن سيرته ماذا قدم وفعل؟!

كل عملك الذي تقدمه فهو قليل في جنب الله وإن ظهر لك مثل الجبال. فاجمع على قلبك الخوف والرجاء وتذكر قول ابن عوف: ( لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل عنك أم لا؟! إن عملك مغيب عنك كله ) .

واحفظ عملك بالإخلاص، واكتم حسناتك كما تكتم سيئاتك، وأبشر بخير عظيم إذا قصدت وجه الله عز وجل، يقول ابن تيمية في هذا الشأن: ( والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله به كبائر الذنوب كما في حديث البطاقة، فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون التوحيد، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة ) . ثم ذكر - رحمه الله - حديث المرأة البغي التي سقت كلبًا فغفر الله لها، والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، ثم قال: ( فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها. فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال ) .

أخي المسلم: أسباب الرياء وبواعثه ترجع إلى ثلاثة أصول:

الأول: حب لذة الحمد والثناء من الناس.

الثاني: الفرار من الذم.

الثالث: الطمع بما في أيدي الناس من مال أو جاه وغيره.

وهذه الأمراض خطيرة على الإنسان وربما تكون سببًا في سوء خاتمته لأن ظاهره مخالف لباطنه - والعياذ بالله.

وليتذكر أحدنا قول الحسن: ( رحم الله رجلًا لم يغره كثرة ما يرى من الناس. ابن آدم؛ إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت