فهرس الكتاب

الصفحة 1094 من 1363

قال في الحديث العظيم الذي هو أصل من أصول الإسلام: { إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..} [ رواه البخاري ومسلم ] . وقال: { ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه } [رواه الترمذي] .

قال ابن تيمية رحمه الله: ( إن الإخلاص أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان، وأعظمها قدرًا وشأنًا، بل إن أعمال القلوب عمومًا أكبر وأهم من أعمال الجوارح، ولا يغتر المسلم فإن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله لا قيمة له ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديدالشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في وجوه الخير وقتال الكفار وغيرها ) .

وحتى هذا العلم الذي ينفع الله به البلاد والعباد إذا لم يكن صاحبه صادق الإخلاص لله عز وجل في طلبه، ثم في بذله فإنه متوعد يوم القيامة على لسان رسول الله: { من تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة ( يعني ريحها ) يوم القيامة } [رواه أبو داود] .

ومن صور تلك الحظوظ المهلكة:

أولًا: محبة المدح والثناء: فتراه يطل برأسه وترتفع هامته وتشرف نفسه إلى صوت مادح، أو ثناء في مجلس.

قال الحسن بن زياد: ( لا يترك الشيطان الإنسان حتى يحتال له بكل وجه، فيستخرج منه ما يُخبر عن عمله، لعله يكون كثير الطواف، فيقول: ما كان أحلى الطواف الليلة، أو يكون صائمًا فيقول: ما أثقل السحور، وما أشد العطش، فإن استطعت أن لا تكون محدثًا ولا متكلمًا ولا قارئًا، إن كنت بليغًا، قالوا: ما أبلغه وأحسن حديثه وأحسن صوته، فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغًا قالوا ليس يُحسن يُحدث، وليس صوته بحسن، أحزنك وشق عليك، فتكون مرائيًا، إذا جلست فتكلمت ولم تبال من ذمك ومن مدحك من الله فتكلم ) .

ثانيًا: كثرة الحديث عن أعماله وما لاقاه من كد وتعب ونصب، وهذه قد يكون ظاهرها محبة هذا الدين وبث الحماس لكنها في قرارة النفس إبراز أعمال الشخص وما يلاقيه في سبيل الدعوة، رغبة في رفع مقامه لدى الناس وتصيد قلوبهم وكسب ثنائهم.

قال القرطبي رحمه الله: ( حقيقة الرياء طلب ما فيالدنيا بالعبادة وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس ) .

ثالثًا: نسبة عمل الجماعة إليه، فتراه يُحب أن يظهر أمام الروؤساء والمديرين على أنه الرجل الذي قام بالعمل، وهو صاحب الفكرة، وهو الذي أشار بالأمر ! وقد يستمر به مسلسل الادعاء حتى يقع في خطر أعظم وهو نسبه أعمال إليه لم يقم بها، وينطبق عليه قول الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 188] .

رابعًا: ذم النفس، يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم، ويمدحونه به وتنطلق الألسنة تثني على تواضعه وما أزهده وما أنبله !! وهو والله ما أهلكه.

خامسًا: التحدث بكثرة الداخلين عليه والخارجين منه، وأنهم لم يتركوا له وقتًا للقراءة وهذه من تلبيس إبليس على العاملين، فتراه يتحين الفرص للجواب عن سؤال عن القراءة أو الإنتاج العلمي ليخبرك أنه مشغول مع الناس و كثرة سوادهم لديه وأنه مقصد لهم، ولهذا ضاعت عليه الساعات الطوال!

قال سعد بن عبدالله: ( نظر الأكياس في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى، لا يما زجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا ) .

سادسًا: العجب بالنفس، وأعمالها وتفانيها في خدمة الناس وأنه قدّم وقدّم، وفكر وقدر، ومساء البارحة لم تكتحل عينه بالنوم همًا وغمًا لحال المسلمين، فرحم الله حصين بن عبد الرحمن عندما قال: ( أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ) .قال مسروق: ( كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله ) .

وقال عبد الله بن المبارك في تعريف العجب: ( أن ترى الناس عندك شيئًا ليس عند غيرك ) .

وقال ابن القيم في الفوائد: ( لاشيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس، ولاشيء أصلح لها من شهود العبد منّة الله وتوفيقه والاستعانة به والافتقار إليه وإخلاص العمل له ) .

وتأمل في حال من أعجبته نفسه في حلة لبسها، قال: { بينما رجل يتبختر في حلة قد أعجبته نفسه إذ أمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } [متفق عليه] .

سابعًا: إستغلال الفرص لإبراز الأعمال، فإن ذكرت آسيا فهو الخبير بها، وإن ذكرت أفريقيا قال: لي عشر سنوات وأنا أذهب إليها سنويًا مرة أو مرتين، وإن كان الحديث عن أوروبا فإنه هو الذي دفع بالشباب ليذهبوا هناك حيث الدعوة والإغاثة، وأنهم وافقوا بعد جهد وعناء بذله!

وإن تحدثوا عن الفقراء، فهو العليم بأحوالهم المتابع لأخبارهم، ثم يسرد لك ما يعرف وما لا يعرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت