فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 1363

وقال الحافظ ابن حجر عن صلاة المنفرد خلف الصف:(وذهب إلى تحريمه أحمد، وإسحاق، وبعض محدثي الشافعية، كابن خزيمة، واستدلوا بحديث وابصة.. واستدل الشافعي وغيره بحديث أبي بكرة على أن الأمر في حديث وابصة للاستحباب، لكون أبي بكرة أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ولم يؤمر بالإعادة، لكن نهي عن العود إلى ذلك، فكأنه أرشِد إلى ما هو أفضل، وروى البيهقي من طريق المغيرة عن إبراهيم فيمن صلى خلف الصف وحده قال: صلاته تامة، وليس له تضعيف، وجمع أحمد وغيره بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن حديث أبي بكرة مُخَصِّص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة كما في حديث أبي بكرة، وإلا فتجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان، واستنبط بعضهم من قوله:"لا تعد"، أن ذلك الفعل كان جائزًا ثم ورد النهي عنه بقوله:"لا تعُد"، فلا يجوز العود إلى ما نهى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه طريقة البخاري في"جزء القراءة خلف الإمام".

إلى أن قال: قوله"لا تعُد"ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين، من العود، وحكى بعض شراح المصابيح أنه رُوي بضم أوله وكسر العين من الإعادة، ويرجح الرواية المشهورة ما تقدم من الزيادة في آخره عند الطبراني:"صلِّ ما أدركتَ، واقض ما سبقك"، وروى الطحاوي بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعًا:"إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف، حتى يأخذ مكانه من الصف") .

أرجح الأقوال

الذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم السابقة القول الرابع، وهو الرواية الثانية عن أحمد، وقد رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأكثر تلاميذه من الأقدمين، ومن المحدثين العلامة عبد الرحمن السَّعْدي، والشيخ العثيمين رحم الله الجميع، والشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله، وذلك توفيقًا بين الأحاديث.

وعليه من جاء ووجد فرجة وجب عليه الدخول فيها، ولا تصح صلاته منفردًا، سواء كانت الفرجة عليها سجاد أم لا، إن كان الناس يصلون في برحة المسجد، أما إن لم يجد فرجة فيصلي خلف الصف منفردًا ولا إعادة عليه، وينال التضعيف الذي يناله من شهد الجماعة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة، أما أن يطلب منه:

• ... أن يجذب أحدًا من الصف.

• ... أويتخطى الرقاب ويشوش على المصلين ليبحث عن فرجة في الصفوف الأمامية.

• ... أويذهب ليصطف إلى جنب الإمام.

فهذا كله من باب التكليف بما لا يطاق، وقد نُزِّهت الشريعة عن ذلك.

لا شك أن الاصطفاف مع المصلين من واجبات الصلاة، فإذا لم يتمكن المصلي من ذلك سقط عنه هذا الواجب، إذ ليس أمامه إلا أن يصلي خلف الصف، أوينتظر آتٍ، وقد يتأخر، وقد لا يأتي حتى يفرغ الإمام من الصلاة، وفي ذلك ضرر بليغ على هذا الرجل الذي سعى إلى المسجد وحرص على صلاة الجماعة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: (إن الإمام لا يشبه المأموم، فإن سنته التقدم لا المصافة، وسنة المؤتمين الاصطفاف، نعم يدل انفراد الإمام والمرأة على جواز انفراد الرجل المأموم لحاجة، وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلا منفردًا، فهذا قياس قول أحمد وغيره، ولأن واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار، فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها، فيسقط بالعجز في الجماعة، كما يسقط غيره فيها، وفي متن الصلاة) .

وقال الشيخ عبد الرحمن السَّعْدي رحمه الله:(الأقوال المعروفة في هذه المسألة ثلاثة:

تجويز صلاة الرجل المنفرد خلف الصف، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، وقد احتجوا بما ذكرتم.

ومَنْعُ ذلك مطلقًا في حال العذر وغيره، وهو قولكم، للحديث الذي ذكرتم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه.

والقول الثالث، وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها شيخ الإسلام وأكثر تلاميذه.

وهو القول الصحيح، والتفصيل: وهو أنه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف من دون عذر.. كما إذا وجد الصف ملزوزًا ليس فيه موضع يقف فيه، وهذا به تجتمع الأدلة، وهو الذي تدل عليه أصول الشرع وقواعده، ويدخل في الأصل العظيم المتفق عليه، - وهو أن جميع واجبات الصلاة وشروطها المتفق عليها والمختلف فيها - تجب مع القدرة عليها، وتسقط مع العجز عنها، ولا يستثنى منها شيء، فلأي شيء يستثنى منه هذا الواجب؟

إلى أن قال: ومما يدل على صحة هذا القول أنه قد ثبت ثبوتًا لا مرية فيه وجوب صلاة الجماعة، وأنه لا يحل للرجل ترك الجماعة مع القدرة عليها، فإذا فرضنا رجلًا وجد جماعة يصلون، ولم يجد في الصف موقفًا، ودار الأمر بين أن يترك الجماعة ويصلي وحده منفردًا، وبين أن يصلي خلف الصف ويدرك الجماعة وهو يقدر على إدراكها، كان صلاته مع الجماعة الواجبة هو المتعين، وليس من الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة عجز الإنسان عن وقوفه في الصف).

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله وقد سئل عن هذه المسألة: (هذه المسألة لها ثلاثة أوجه إذا جاء الإنسان ووجد أن الصف قد تم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت