فهرس الكتاب

الصفحة 1014 من 1363

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله وكيلًا، فهدى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، وبصَّر به من العماية، ونجى به من الغواية، ونصح به الأمة، وكشف به الغمة، وأوضح به المحجة، وأقام به الحجة، حيث جعل كتابه آخر الكتب، وشريعته ناسخة للشرائع، وأمته شاهدة على الأمم، فصلوات ربي وسلامه وبركاته عليه وعلى آل بيته الطاهرين الطيبين، وعلى صحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان واقتدى بهم من الإنس والجان.

وبعد...

اعلم أخي الحبيب أن سائر المكلفين من الإنس والجن من أمة محمد البشير النذير، مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمنون أمة الاستجابة، والكافرون أمة الدعوة؛ وأن الله لا يقبل من أحد منهم بعد بعثته دينًا سوى الإسلام، ولا دستورًا ومنهجًا سوى القرآن، وأنه ما من أحد سمع به إلا ووجب عليه اتباعه والإيمان به، وإلا أكبه الله في النار وجعل مثواه دار البوار، لا يستثنى من ذلك يهودي، ولا نصراني، ولا عربي، ولا عجمي، ولا هندوسي، ولا بوذي، ولا شيوعي، ولا علماني، ولا غير ذلك، كما أخبر بذلك الناصح الأمين الرؤوف الرحيم.

خرَّج الإمام مسلم بسنده في صحيحه عن حافظ الأمة أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"؛ وليس هذا خاصًا بعصره فقط، بل هو عام لكل العصور، ولا باليهود والنصارى دون غيرهم من الملل، بل هو عام لكل الملل والنحل إلى يوم الوقف والنشور.

قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: (فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جارٍ على ما تقدم في الأصول أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح والله أعلم ؛ وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يسمع بي أحد من هذه الأمة"، أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته؛ وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على ما سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى، والله أعلم) .

قال الإمام الحجة واضح المحجة أبو محمد بن حزم رحمه الله مستدلًا بهذا الحديث الصحيح الصريح في كفر المعرضين عن الدين الصحيح المتكبرين عن قبوله:(فإنما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به على من سمع بأمره، فكل من كان في أقاصي الجنوب، والشمال، والمشرق، وجزائر البحور، والمغرب، وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره صلى الله عليه وسلم، ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به.

إلى أن قال: وأما ما بلغه ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، ثم لا يجد في بلاده من يخبره عنه ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق، ولولا إخباره صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعده، للزمنا ذلك في كل من نسمع عنه أنه ادعى النبوة، ولكنا قد أمنا ذلك والحمد لله).

والذي يترجح لدي أن عامة الكفار اليوم سمعوا بالإسلام، أو برسول الإسلام، أو بالقرآن، في معظم أنحاء المعمورة، اللهم إلا في الأصقاع النائية، والقمم الشاهقة، والمناطق القطبية، وبعض الأحراش والأدغال المعزولة؛ سيما في المدن الكبيرة والحواضر الجامعة، وذلك للأسباب الآتية:

¨ عالم اليوم أصبح كالقرية الواحدة بسبب كثرة وسائل الاتصال، وتنوعها، وسهولتها، ويسرها مقارنة بالأزمنة السابقة، سيما في ديار الكفار.

¨ هجرة العديد من المسلمين إلى كل بلاد الكفار، البعيدة والقريبة، القاصية والدانية، وسكناهم ومخالطتهم ومعاشرتهم للكفار.

¨ انتشار العديد من المساجد، والمراكز، والجمعيات، والاتحادات، والمدارس، والجامعات الإسلامية في معظم أنحاء ديار الكفار.

¨ دراسة التاريخ، خاصة لفترة الحروب الصليبية على بلاد الإسلام، التي يفخر بها الكفار ويعملون على نشرها.

¨ العديد من الكتب والمذكرات التي كتبت عن بلاد الإسلام والمسلمين، بواسطة المنصِّرين، والجواسيس، والمكتشفين.

¨ كتب أئمة الكفر والمتحللين من الأخلاق، نحو كتاب آيات شيطانية الذي ترجم إلى كل اللغات وطبع عشرات المرات لعدو الله وعدو نفسه سلمان رشدي، ومن شاكله، أمثال نزار قباني، وفرج فودة، وأنيس منصور، ومحمود محمد طه، وغيرهم كثير؛ التي يحتفل بها الكفار ويعملون على نشرها وتوزيعها على أوسع نطاق .

¨ الحروب الدائرة في الشرق الأوسط وبلاد الإسلام: حرب الخليج، والحرب الصليبية التي تدور هذه الأيام في فلسطين، وأفغانستان، والصومال، وكشمير، وغيرها كثير.

¨ الدورات الأولمبية والرياضية المشتركة.

¨ هيئة الأمم المتحدة والمنظمات العديدة المنبثقة منها، ومشاركة كل الدول العربية والإسلامية فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت