وقوله: على أن نبدل خيراً منهم يحتمل معنيين: أولهما وهو المناسب للسياق أن يكون المعنى على أن نبدلهم خيراً منهم ، أي نبدل ذواتهم خلقاً خيراً من خلْقهم الذي هم عليه اليوم.
والخيرية في الإِتقان والسرعة ونحوهما وإنما كان خلقاً أتقن من النشأة الأولى لأنه خلق مناسب لعالم الخلود ، وكان الخلْق الأول مناسباً لعالم التغير والفناء ، وعلى هذا الوجه يكون {نُبدِّلَ} مضمناً معنى: نعوّض ، ويكون المفعول الأول ل {نبدل} ضميراً مثل ضمير {منهم} أي نبدلهم والمفعولُ الثاني {خيراً منهم} .
و (مِن) تفضيلية ، أي خيراً في الخلقة ، والتفضيلُ باعتبار اختلاف زمانَي الخلْق الأول والخلق الثاني ، أو اختلاففِ عالميهما.
والمعنى الثاني: أنْ نبدل هؤلاء بخير منهم ، أي بأمَّة خير منهم ، والخيرية في الإيمان ، فيكون {نبدل} على أصل معناه ، ويكون مفعوله محذوفاً مثل ما في المعنى الأول ، ويكون {خيراً} منصوباً على نزع الخافض وهو باء البدلية كقوله تعالى: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} [البقرة: 61] ، ويكون هذا تهديداً لهم بأنْ سيستأصلهم ويأتيَ بقوم آخرين كما قال تعالى: {إن يشا يذهبكم ويأتتِ بخلق جديد} [فاطر: 16] وقوله: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] .
وفي هذا تثبيت للنبيء صلى الله عليه وسلم وتذكير بأن الله عالم بحالهم.
وذيل بقوله: {وما نحن بمسبوقين ،} والمسبوق مستعار للمغلوب عن أمره ، شبه بالمسبوق في الحلبة ، أو بالمسبوق في السير ، وقد تقدم في قوله تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون} [العنكبوت: 4] ، ومنه قول مرة بن عَدَّاء الفقعسي:
كأنكَ لم تُسبَق من الدهر مرة...
إذا أنت أدركتَ الذي كنتَ تطلُب
يريد: كأنك لم تُغلب إذا تداركت أمرك وأدركت طلبتك.