الحسد: كراهية نعمة على مستحق لها ، وعدت من عظائم الذنوب ، إذ هو معاندة الله فِي إرادته ، وهو شر من البخل ، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه ، والعفو ترك العقوبة على المذنب ، والصفح ترك ترئته ، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ، وصفحت عنه: أي أوليته مني صفحة جميلة معرضاً عن ذنبه ، أو لقيت صفحته متجافياً عنه ، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيها ذنبه إلى غيرها من قولك: تصفحت الكتاب ، وفي الآية تنبيه أن كثيراً من أهل الكتاب يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسداً ، وقوله: (من عند أنفسهم) أي من عند هواهم كقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} ، وعبر عن الهوى بالنفس وهي الأمارة بالسوء ، وبين أنهم فعلوا ذلك بعد وضوح الحق لهم ، ولكنهم بحسدهم وهوائهم لا يتحرونه ، ولا يحبون أن يتحراه غيرهم ، ثم أمر بالتجافى عنهم إلى أن يأتي الله بأمره تسكيناً لهم ووعداً بتغييره لقدرته على كل شك ، وروي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن هذه الآية منسوخة بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ، وقال غيره: هي غير منسوخه ، وهذا الخلاف يرجع إلى اختلاف نظيرين ، وذاك أن كل أمر ورد مقيداً بانتهاء ما معين أو غير معين فورود الأمر بخلافه يصح أن يقال: هو نسخ له من حيث إنه يرفع الأول ، ويصح أن يقال: إنه ليس بنسخ ، فإن النسخ فِي الأمر المطلق.
قوله - عز وجل -:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}
الآية (110) - سورة البقرة.