إن قيل: إذا لم يحمل خبر علي التخفيف فليست الثانية خيراً من الأولي فِي شي من الأحوال ، لأن الأولى فِي الوقت أصلح وأفضل ، والثانية فِي الوقت أصلح وأفضل ، فقد تساويا فِي عظم المصلحة ، وبطل أن يكون الثانية خبرا بأن يكون أثقل وأكثر أعمالاً ليكون أجزل فِي الأجر وأكثر ثواباً ، ومع هذا
فإن الثانية خير من الأولى فِي الوقت الثاني ، لأن الأولى قد بطل العلم بها ، وقوله بخير منها يعني فِي الوقت وتعلقهم بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} ، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} فبعيد ، فإن التخفيف واليسر فِي الأمور الإلهية فِي الدنيا والآخرة هما مما تستثقله النفس ، أما فِي الآخرة ، فأنه لا وصول إلى ذلك إلا بتحمل المشاق فِي الدنيا والعمل بالطاعات ومخالفة الهوى ، وأما فِي الدنيا فإن التخفيف واليسر مع حصول العلم والصبر والعفة الواضحة عن الإنسان ثقل الجهل والجزع والخوف والفقر.
قوله - عز وجل -
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
الآية (107) - سورة البقرة.
الولي يقال تارة لمن له موالاة نسبية أو خلف ، وتارة لمن له ولاية سلطانية ، وإنما ذكر الولي والنصير ، وهما متقاربان بالعنف ، لأنه قد ينفك الولي من النصرة بأن يكون ضعيفاً ، والنصير من الولاية بأن يكون عن المنصور أجنبياً ، وقوله: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه} ِإذا تصور خطاباً للكفار اقتضى وعيدا أي لأولي وناصر يحميكم عنه نحو قوله تعالي.