وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم:"رأي عيسي بن مريم رجلا يسرق فقال له عيسي: سرقت؟ قال: كلا والذي لا إله إلا هو ، فقال عيسي: آمنت باللَّه ، وكذبت نفسي"قال ذلك تعظيما للقسم ، ولاحتمال أن يكون يأخذ حقا له ، أو نحو ذلك والله أعلم ، وأقسم إبليس بالله أنه من الناصحين لآدم وحواء ، فكان هذا التعظيم الذي أظهره لاسم الله عز وجل هو الذي دلاهما به إلي الباطل المر الوبيء ، وهو مخالفة الأمر ، والأكل من الشجرة ، وكذلك كانت طريقة إبليس دائما فِي إضلال بني آدم: فقوم نوح ما أشركوا إلا بمزج الحق الذي هو حب الصالحين بالباطل الذي هو الغلو فيهم ، فالباطل الصرف كالسم الكريه الطعم والرائحة لابد أن يذاب وتُغطي كراهيته فِي الشراب الحلو فلابد من الحذر من مزج الحق بالباطل ، وليس كل من ادعي النصح بناصح ، وليس كل من جاء بشيء من الحق صادقا فِي كل ما يقول حتى يقبل منه كل ما معه: ألا تري أن الكهان يُصَدَّقون بواحدة ، ولا يعتبر الناس بالمائة كذبة ؛ ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"إذا قضي اللَّه الأمر فِي السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة علي صفوان ينفذهم ذلك: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] ؛ فيسمعها مسترق السمع ، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلي من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلي من تحته حتى يلقيها علي لسان الساحر ، أو الكاهن ؛ فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، فيكذب معها مئة كذبة ؛ فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فَيُصَدَّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" [متفق عليه] ، فتأمل أن كلمة من الحق والصدق ممزوجة بمئة كلمة من