وقال التهانوي أنه على معانٍ عديدة عند أهل الفنون، وهي ملخصة في أنه: الإدراك مطلقًا، تصورًا كان أم تصديقًا، يقينيًّا أم غير يقيني [13] .
أما في القرآن الكريم، فمدلول العلم ورد بالتصريح في مواضعَ كثيرةٍ، وعن آلياته كذلك في مواضع كثيرة، ولفظه أكثر إطلاقًا وذكرًا من المعرفة، كما سمى الله - تعالى - نفسه بالعالم والعليم والعلاَّم، ووصف نفسه بأنه يعلم، وعلِم، وأن له علمًا، وهو ذو العلم، قال أبو نصر البغدادي: إنا لا نقول: إن الله ذو علم، على التنكير، وإنما نقول: ذو العلم، على التعريف، كما نقول: إنه ذو الجلال والإكرام، ولا نقول: ذو جلال وإكرام [14] .
والله - تعالى - علام الغيوب، لا يخفى عليه خافية؛ فهو يعلم ما يكون وما لا يكون، وما لو كان كيف يكون، كما يعلم إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وهذا علم لا تجب به حجة، ولا تقع عليه مثوبة ولا عقوبة، وهذا أكثر ما في القرآن، وعلمه - تعالى - علم للباطن والظاهر، وهذا ما ورد في عدة آيات، كما اختص الباطن باسم الخبير واللطيف، والظاهر بالسميع والبصير، فكان من تأكيد الإحاطة، والمحاججة بعلمه - تعالى - أنه يعلم ما خفي وما دقَّ، وما جلي وبان؛ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ، وأما علم الله - تعالى - فهو قديم.
غالبُ ما ورد في تعريفات العلم نجده اجتمع على أنه الاعتقاد الجازم المطابق المواقع، أو هو ما يُمثل اليقين والحكم الجازم غير القابل للتشكيك [15] ، وكلها تفرق بين العلم والتخيل، من جهة إدراك الشيء على ما هو عليه، تصورًا في الذهن، وواقعًا في الحس، وبمقدار التطابق بينهما يكون العلم دقيقًا [16] .
والمعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك، ولهذا المعنى متعلق، وهو المعلوم، وله تابع في الحصول يكون وسيلةً إليه في البقاء، وهو الملكَة، فأطلق لفظ العلم على كلٍّ منها، إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية، أو مجازًا مشهورًا.
ويطلق على معانٍ بالاشتراك:
أحدها: يطلق على نفس الإدراك.
ثانيها: على الملكة المسماة بالعقل في الحقيقة.
ثالثها: على نفس المعلومات، وهي القواعد الكلية، التي مسائل العلوم المركبة منها.