و روى هذا الحديث أبو ماجة و الترمذي مختصرًا بنحوه . و اختُلفَ في إسناده فضعَّفَه بعض أهل العلم ، و صححه الترمذي و ابن حبّان ، و قال ابن حجر في ( الفتح ) : ( الحق أنه من قبيل الحَسَن يصلح للحجة ) ، و هذا هو الظاهر ، و الله أعلم .
جاء في ( عون المعبود ) : و الحديث يدل على جواز القراءة للمحدث بالحدث الأصغر و هو مجمع عليه لم نر فيه خلافا ، و على عدم الجواز للجنب ... قال الخطابي: في الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن و كذلك الحائض لا تقرأ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة . و قال مالك في الجنب إنه لا يقرأ الآية و نحوها , و قد حكي أنه قال تقرأ الحائض و لا يقرأ الجنب لأن الحائض إن لم تقرأ نسيت القرآن لأن أيام الحيض تتطاول و مدة الجنابة لا تطول ، و روي عن ابن المسيب و عكرمة أنهما كانا لا يريان بأسا بقراءة الجنب القرآن و أكثر العلماء على تحريمه. اهـ .
قلتُ: و ذهاب بعض العلماء إلى قياس الحيض و النفاس على الجنابة في الحكم ، و حظْرِهم على المتلبّسة بهما قراءة القرآن الكريم ، غير مسلّم ، بل الظاهر أنّ حكمهما مختلف لوجود الفارق بين الحالتين ، إذ يُفرَّقُ بين الجنابة و بين الحدث الأكبر الحاصل بالحيض و النفاس ، بكون رفع الجنابة مقدورًا عليه في كلّ وقت ، بخلاف ما يعرِض للمرأة من شئون النساء التي لا ترتفع إلا لأجل الله أعلم به .
و لِمَا ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لعائشة لما حاضت في الحج: ( افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) و معلوم أنّ الحاج يقرأ القرآن ، و لم يستثنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل ذلك على جواز القراءة لها ، و قال مثل ذلك لأسماء بنت عميس لمّا ولدت محمد بن أبي بكر في الميقات في حجة الوداع ، فدل هذا على أن الحائض والنفساء لهما قراءة القرآن ، لكن من غير مسٍ للمصحف .
المسألة الثانية: اختلف العلماء في حكم مسّ المُمَيّز المُحدِث للمصحف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز له ذلك ، و هو مذهب الحنفية ، و المالكية ، و الشافعية في أصح القولين عندهم ، و روايةٌ مرجوحة عند الحنابلة .
و القول الثاني: أنه يكره له مسّ المصحف . كراهة تنزيه ، و هو قول لبعض الحنفية ، و المالكية .
و القول الثالث: أنه يحرم عليه مسه . و هو قول للشافعية ، و الراجح عند الحنابلة .
و الراجح عندنا جواز مس الصبي المميز للمصحف حال تلبسه بالحدث الأصغر ، لأنّه دون سنّ التكليف ، و لم يَجرِ عليه القلم ، مع عموم البلوى في حقّه إذ يصعب عليه الاحتياط من الحدث في سن الحفظ و التعلُّم ، مع ما في إلزامه بالوضوء للقراءة كل وقت من العسر و المشقّة ، و المشقة تجلب التيسير كما في القاعدة الفقهيّة ، و الله أعلم .
المسألة الثالثة: اتفق العلماء على تحريم مس المصحف على المتلبس بحدثٍ أكبر ( جنابة أو حيض أو نفاس ) ، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية ، و لا يُعتد بخلافهم لضعف أدلّتهم .
المسألة الرابعة: اختلف العلماء في حكم مس المصحف للبالغ حال تلبُّسه بالحدث الأصغر ( و هو ما يُرفَع بالوضوء أو التيمم ) ، على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز له ذلك ، و هو المذهب المنقول عن جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب ، و عبد الله بن مسعود ، و سعد ابن أبي وقاص ، و عبد الله بن عمر ، و سعيد بن زيد ، و سلمان الفارسي ، وغيرهم ، و لا يعرف لهم مخالف ، و قال به جمهور التابعين و منهم: عطاء بن أبي رباح ، و ابن شهاب الزهري ، و الحسن البصري ، و طاووس بن كيسان ، و النخعي ، و الفقهاء السبعة ، و هو مذهب الأئمة الأربعة .
القول الثاني: أنه يجوز له مس القرآن ، و إليه ذَهَب بعض التابعين ، و هو مذهب الظاهرية .
و الراجح عدم جواز مس المصحف للبالغ المُحدِث حَدَثًا أصغر ، و ذلك للأدلّة التالية:
• أولًا: قال الله عز وجل: ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ) [الواقعة: 77-80] .
و قد جاءت الآية بصيغة الحصر فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين من الأحداث والأنجاس من بني آدم .
والأصل في الطهارة المطلقة في العرف الشرعي: هي الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر ، و هذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يحفظ عن أحد منهم - فيما نعلم - أنه مس المصحف و هو على غير طهارة ، أو قال بجوازه .
• ثانيًا: روى الدارقطني و البيهقي و الحاكم بإسناد صححه و وافقه الذهبي عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: ( لما بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى اليمن قال:(لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) .