فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 1363

قال زعيم الفقهاء القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله في أول كتاب التجارة إلى أرض الحرب من مقدماته: فرض الهجرة غير ساقط، بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيمة، واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب أن لايقيم بها حيث تجري أحكام المشركين، وأن يهجرها ويلحق بدار المسلمين، إلا أن هذه الهجرة لا يحرم على المهاجر بها الرجوع إلى وطنه إن عاد دار إيمان وإسلام كما حرم على المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجوع إلى مكة، الذي ادخره الله لهم من الفضل في ذلك، قال: فإذا وجب بالكتاب وإجماع الأمة على من أسلم بدار الحرب أن يهجره ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليهم أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجرى عليه أحكامهم في تجارة أوغيرها؟ وقد كره مالك رحمه الله أن يسكن أحد ببلد يُسبُّ فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن؟ وتعبد فيه من دونه الأوثان؟ لا تستقر نفس أحد على هذا إلا مسلم مريض الإيمان).

حكم الهجرة العكسية من ديار الإسلام إلى ديار الكفر

حديثنا السابق كان خاصًا بوجوب الهجرة على من طرأ عليه الإسلام وهو في بلاد الكفر، حيث يجب عليه وجوبًا عينيًا أن يهجرها إلى ديار الإسلام إلا إذا غُلب على أمره، أما الهجرة العكسية من ديار الإسلام إلى ديار الكفر فهي من البدع الحادثة، ولذلك لم يتحدث عنها فقهاء الإسلام السابقون، إذ لم تحدث في وقتهم ولم تدر بخلدهم فيفترضوها كما افترضوا كثيرًا من المسائل وبينوا حكم الشرع فيها، على الرغم من استحالة وقوع وحدوث كثير منها، لذلك كما قال الونشريسي لم يشر إليها ابن رشد ولا ابن العربي رحمهما الله، فقد حصرا حديثهما عن وجوب هجرة من طرأ عليه الإسلام وهو في بلاد الكفر، وإن كانتا في الحكم سواء.

قال الونشريسي رحمه الله: (وإنما خص من تقدم من أئمة الهدى المقتدى بهم الكلام بصورة من أسلم ولم يهاجر، لأن هذه الموالاة الشركية كانت مفقودة في صدر الإسلام وغرته، ولم تحدث على ما قيل إلا بعد مضي مئات من السنين، وبعد انقراض أئمة الأمصار المجتهدين، فلذلك لا شك لم يتعرض لأحكامها الفقهية أحدٌ منهم، ثم لما نبغت هذه المرة الموالاة النصرانية في المائة الخامسة وما بعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء ملاعين النصارى دمرهم الله على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس، سئل عنها بعض الفقهاء واستفهموا عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها، فأجاب: بأن أحكامهم جارية على أحكام من أسلم ولم يهاجر، وألحقوا هؤلاء المسؤول عنهم والمسكوت عن حكمهم بهم، وسوّوا في ذلك بين الطائفتين في الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم، ولم يروا فيها فرقًا بين الفريقين، وذلك لأنهما في موالاة الأعداء، ومساكنتهم، ومداخلتهم، وملابستهم، وعدم مباينتهم، وترك الهجرة الواجبة عليهم، والفرار منهم، وسائر الأسباب الموجبة لهذه الأحكام المسكوت عنها في الصورة المسؤول عن فرضها بمثابة واحدة، فألحقوا رضي الله عنهم الأحكام المسكوت عنها في هؤلاء المسكوت عنهم بالأحكام المتفقة فيها في أولئك، فصار اجتهاد المتأخرين في مجرد إلحاق المسكوت عنه بمنطوق به مساوٍ له في المعنى من كل وجه) .

قلت: كيف يدور بخلد أحد من السلف الصالح أن يهاجر المسلم عن طواعية واختيار، بل ويسابق وينافس في ذلك، من ديار الإسلام التي يشتهر فيها الإسلام، ويُعلن فيها الأذان، وتُصل فيها الأرحام، ويُؤمر فيها بالمعروف، ويُنهى فيها عن المنكر، إلى ديار الكفر حيث يُدَّعى فيها بالتثليث، وتُضرب فيها النواقيس، ويُعبد فيها الشيطان، ويُكفر فيها علنًا بالرحمن، وتنتشر فيها الرذيلة، وتنعدم فيها الفضيلة؟

العلة في تحريم الهجرة والسكنى في ديار الكفار أو بقاء ما طرأ عليه الإسلام فيها

العلة الكبرى والحكمة العظمى في تحريم الهجرة إلى ديار الكفار ووجوب الهجرة منها المحافظة على الدين، إذ به نجاة الإنسان الأبدية وسعادته الأخروية، وضياعه من أعظم الخسران، إذ لا يساويه ضياع النفس، والمال، والأهل، والولدان.

الدين رأس المال فاستمسك به فضياعه من أعظم الخسران

والخوف من الكفر ولو على الأجيال القادمة للمهاجر، وأخشى ما أخشاه أن يشمله الوعيد الذي ورد في الحديث الصحيح:"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أوينصِّرانه، أويمجِّسانه"، ألا يخشى الذي يساكن هؤلاء الكفار أويعاشرهم أن يتهوَّد، أويتنصَّر، أويشرك أحدُ أحفاده القادمين؟! أما يدري أنه سيحاسب على ذلك حسابًا عسيرًا؟! ولهذا لم يفرِّق الشارع في تحريم ذلك بين من هدفه الدعوة والتعليم ومن هدفه سوى ذلك من المهاجرين، إلا المضطرين.

المخالفات الشرعية المترتبة على الهجرة والسكنى في ديار الكفار

لم يحرِّم الشارع الحكيم ولم ينه الرسول الكريم عن شيء إلا إذا ظهرت أضراره، وعظمت أخطاره، وتعددت مفاسده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت