والغيرة على محارم الله هي سمة عباد الله الصالحين، وجنده المفلحين.
الغيرة والتنافس في أعمال الخير والبر
قال تعالى:"وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"، وقال صلى الله عليه وسلم:"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار"، ومن ذلك تنافس الفقراء عندما جاءوا إلى رسول الله وقالوا:"ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، والنعيم المقيم.."الحديث.
ومن ذلك أيضًا تنافس الصحابة على الجهاد والإنفاق ومحاولة مسابقة عمر لأبي بكر.
الغيرة على الأعراض والحريم
من الغيرة المحمودة التي يحبها الله ورسوله والمؤمنون الغيرة على الحريم والأعراض، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا"، وقال صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول"، ولله در القحطاني حيث قال في نونيته:
إن الرجال الناظرين إلى النساء مثل الكلاب تطوف باللحمان
إن لم تصن تلك اللحومَ أسودُها أُكِلت بلا عوض ولا أثمان
كان الصحابة رضي الله عنهم أشد الناس غيرة على محارمهم وأكثرهم حفظًا لأعراضهم يمثل ذلك أصدق تمثيل ما قاله سعد بن عبادة عندما نزل قوله:"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة"، قال سعد: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله: يا معشر الأنصار أتسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، ولا طلق امرأة قط فاجترأ أحد منا أن يتزوجها من شدة غيرته. قال سعد: يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، وإنها من الله، ولكني قد تعجبت أن لو وجدت لكاعًا، قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه، ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته"، وفي رواية:"فقال يا رسول الله إن وجدتُ على بطن امرأتي رجلًا أضربه بسيفي"، أو كما قال."
وكان عمر والزبير رضي الله عنهما غاية في الغيرة على الأعراض والحريم، وقد كانا يغاران من خروج نسائهما إلى المسجد، دعك من الخروج إلى الأسواق والشوارع والمنتزهات.
ثانيًا: الغيرة المذمومة
الغيرة المذمومة سببها التنافس والحسد على أعراض شخصية وأمور دنيوية، وهي أنواع منها:
• ... الغيرة والتنافس بين أصحاب المهنة الواحدة، كالتجار، والحدادين، والنجارين، ونحوهم، فما من أصحاب مهنة واحدة إلا وتجد بينهم تنافسًا وحسدًا إلا من رحم الله.
• ... الغيرة والتنافس من أصحاب النعم، ولذا قالوا:"كل ذي نعمة محسود".
• ... الغيرة بين الأنداد، فالمعاصرة سبب للمنافرة، وأسوأ هذا النوع الغيرة بين العلماء، ونعني بذلك علماء السوء، أما العلماء الربانيون فلا يتنافسون ولا يتحاسدون، لأنهم يعلمون أن أجرهم و نوالهم من الله ذي النوال العظيم والخير العميم.
• ... الغيرة بين الضرائر خاصة، والنساء عامة، والأطفال، ومردُّ ذلك إلى الأثرة، وحب الذات، والحرص، والطمع؛ والغيرة بين الضرائر غريزة طبيعية وسجية نفسية، ولو برئت منها ضرة لبرئت منها أمهات المؤمنين، وزوجات رسول رب العالمين، فقد كانت عائشة تغار من خديجة وهي لم ترها؛ وسبب الغيرة بين الضرائر هو الحب للزوج.
• ... ونحو الغيرة بين الأمهات، والزوجات، والأخوات.
• ... الغيرة بين الأبناء.
• ... والمبالغة في الغيرة على الحريم والأعراض حيث تصل إلى درجة الوهم.
علاج الغيرة المذمومة
مما لا شك فيه أن لكل داء دواء إلا أدواء معلومة وأمراض مفهومة، منها الموت، والهرم، والحماقة، والحسد؛ فالغيرة المذمومة لها أسباب كثيرة ومختلفة، منها ما يمكن تجنبه والحذر منه، كل هذا بعد دعاء الله وتوفيقه، ومنها ما لا سبيل لعلاجه.
من تلك الأسباب التي تولد الغيرة المذمومة ، والتنافس القبيح، والتي يمكن تداركها خاصة بين الضرائر والأبناء، و بين الأمهات والآباء والأخوان والأخوات من ناحية، والزوجات من ناحية أخر، ما يلي:
أولًا: العدل والإنصاف، وعدم المحاباة في القسمة والإنفاق بين الزوجات والأبناء، فقد كان يعدل ويقسم ويتحرى الإنصاف ومع ذلك يقول:"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، ويعني بذلك الحب وما ينتج عنه فهو أمر قلبي لا يستطيع المرء التحكم فيه، فكان يعدل بين أزواجه في المبيت، والنفقة، والسفر، حيث كان يقرع بينهن، والمراد بالعدل بين الزوجات و الأولاد في النفقة أن يعطي كلًا منهم ما يحتاجه، وليس المراد التسوية في كل شيء، فما تحتاجه الزوجة الشابة من الملابس والزينة لا تحتاجه الكبيرة، وما يكفي الزوجة ذات الأولاد يختلف مما يكفي امرأة لها ولد واحد أو لم تلد بعد.