ومما يستنتج من دعائه - عليه السلام - أن الأشياء التي تعبد من دون الله، قد يكون لها حجم واسع من التأثير على الناس، بإضلالهم عن الصراط المستقيم، ويمثِّل أهل العلم عليه بأمثلة، أقتصر على أحدها: وهو أن يأتي شخص يدعو أحد الطواغيت التي يقصدها بالدعاء من دون الله، ويرجوها بأن يمنَّ الله على زوجته العقيم، بأن تنجب طفلًا، بعد عشر سنوات، ثمَّ يفاجأ بمن يبشِّره بعد أشهر قليلة بطفل يتكوَّر في بطن زوجته، فيطير فرحًا، ويذهب لذلك الطاغوت، ويشكره، ويزداد تعلقه به، وهكذا مع العلم بأنَّ هذا الرجل الذي دعا غير الله، أراد الله أن يرزقه الولد وقت دعائه، فيرزق الولد بمشيئة الله وإرادته الكونية القدرية، وليس بإرادة الذي لا يسمع ولا يبصر، فيفتن الرجل بذلك الطاغوت، ويلتجئ إليه في سرِّه وعلانيته، وفي شدَّته ورخائه - عياذًا بالله (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (المائدة: من الآية41) .
4 -في هذه الآية تنبيه لبعض الدعاة القائلين بأنَّ قضية التوحيد سهلة، ولا تحتاج إلى ذلك التكثيف العلمي والتعليمي، أو أنَّ لدينا من هموم الأمة ما يحوجنا بالكلام عنها أكثر من قضية باتت معروفة في أذهان المسلمين، والجواب عن ذلك:
أ - أنَّه - تعالى - ما خلقنا إلا لعبوديته وتوحيده، وإرساء تلك المعالم العقدية في قلوبنا، فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56) ، ولو كانت دعوة التوحيد يسيرة لما جلس - عليه الصلاة والسلام - ثلاثة عشر سنة يدعو لذلك الناس مسلمهم وكافرهم.
مسلمهم: لكي يتأكد ذلك في قلوبهم وليكوِّن - عليه الصلاة والسلام - من قلوبهم قاعدة صلبة للبناء الإيماني، لتتحمل الواجبات والفرائض المفروضة من قِبَلِهِ - تعالى -.
وأمَّا كافرهم: فلتقوم الحجَّة عليهم، بالبلاغ المبين، والبيان الواضح، ولهذا بقي - عليه الصلاة والسلام - يدعو لذلك جميع الناس حتى قبضت روحه الشريفه - صلى الله عليه وسلم - ليبقى التوحيد في قلوب المسلمين صلبًا، لا تزعزعه أعاصير الشرك العاتية، ولا رياح التغيير المنحرفة عن المنهج الإسلامي.
ب - أنَّ التوحيد ليس قضية سهلة، بل إنَّ هذه القضية على شفافيتها، فإنَّ تطبيقها والعمل بها من أصعب ما يكون، ولهذا قال - سبحانه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل: 5) قال الإمام مالك: ليس في دين الإسلام شيء سهل، واستدلَّ بهذه الآية.
والمقصود أنَّ التوحيد والإيمان يحتاج سنوات عديدة في العمل لأجله، ومجاهدة النفس على تنقيتها مما يخل بذلك، لتتأصل النفس على الإبقاء عليه، والاستمساك بحبله، وقد قال جندب بن عبد الله: تعلمنا الإيمان ثمَّ تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا.
ج - إنَّ مآسي الأمة ونكباتها لا ريب أنَّها تبعث الأسى في القلب، ولكنها راجعة لعدة أسباب أولها ذكرًا: ضعف إيماننا بالله وتعلقنا به وعبوديته الخالصة، فكم يوجد في عصرنا من المنتسبين إلى الإسلام، يشركون بالله، ويقصدون القبور للطواف حولها، والتعلق بأصحابها، والاستغاثة بهم.
وكم هو منتشر في بلاد المسلمين التحاكم إلى القوانين الوضعية المغايرة للمنهج الإسلامي.
وكم من منافق يدسُّ سمَّه في الظلام، ويطعن المسلمين خلف ظهورهم، وكم من خائن يدلُّ أهل الكفر على المسلمين المستضعفين، ويبيع دينه بثمن بخس.
وكم يُعْرَض في وسائل الإعلام من الأمور المنحرفة عن التوحيد الخالص بتعظيم الكفار، والتشبه بهم، والتمنطق بأقوالهم، والتهنئة بأعيادهم، وربط صلات التآخي معهم.
وكم هو منتشر في بلاد المسلمين السحر والسحرة والشعوذة والتعلق بالرقى والتمائم والتعاويذ الشركية. وكم انتشرت البدع والانحرافات الفكرية ما بين مقلٍّ ومكثرٍ في عقول الكثير من المسلمين.
وبعد..ألا تحتاج هذه كلها إلى وقفة محاسبة، ترجعنا إلى أهمية الإعادة والتكرار لمبادئ التوحيد، وقضاياه الكلية، من قِبَلِ دعاة الإسلام، ومن ثمَّ تنبيه الناس لذلك، وعقد الندوات المتتابعة لأجله، في جميع أنحاء الأرض، ليكون المسلمون في حصن حصين، وحرز مكين، من كلِّ داعية سوء، أو صاحب ضلالة مردية، تجنح بهم إلى الكفر والفسوق والعصيان، وقد أحسن محمد إقبال حين قال:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان *** ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دينٍ *** فقد جعل الفناء لها قرينًا
وفي التوحيد للهمم اتحاد *** ولن تبنوا العلا متفرقينا
فهل نعاود قراءة القرآن، وكتب أهل العلم ونستفيد منها دروسًا في التوحيد والإيمان، ونطبقها في أرض الواقع، ودنيا الناس، مقتفين أثر سلفنا الصالح، حين اهتموا بهذه القضية وأولوها عناية تامَّة، وقدَّموها على جميع العلوم والمعارف، ورحم الله الإمام أبا حنيفة حين قال مؤكدًا على أهمية التفقه في التوحيد: الفقه في الدين أفضل من التفقه في العلم، وصدق من قال:
أيُّها المغتذي ليطلب علمًا *** كل علم عبد لعلم الرسول