فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 1363

ولماذا لا يوقن العبد بوعد الله وهو القائل سبحانه:"والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيدخلهم جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا وعد الله حقًا ومن أصدق من الله قيلا" [النساء:122]

وهو القائل جل شأنه:"ومن أصدق من الله حديثًا" [ النساء: 87 ]

قال سبحانه"ألا أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون" [ يونس: 55 ] وقال عز وجل:"وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [ الروم: 6 ]

قال أحد السلف لإخوانه لقد رأيت الجنة والنار عيانًا فعجبوا له فقال لا تعجبوا لقد رأيتهما بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورؤيتي لهما بعينه صلى الله عليه وسلم أكثر عندي من رؤيتي لها بعيني ، فإن عيني قد تزيغ أو تطغى ، وعيناه صلى الله عليه وسلم قال فيهما رب العزة"ما زاغ البصر وما طغى"

وكان أحد السلف يقول أنا أعلم متى يذكرني ربي، فقالوا له أخاص ذلك بك ؟ قال بل هو للناس جميعًا ، أو ما قرأتم قوله تعالى"فاذكروني أذكركم" [ البقرة: 152 ] فهو على يقين من أنه إذا ذكر الله ذكره الله سبحانه .

وتأمل موقف أم موسى عليه السلام لما أوحى الله إليها أن تلقى ولدها في الماء ما ترددت ولا تقاعست بل نفذت أمر الله سبحانه لما سكن في قلبها من يقين بوعد الله سبحانه حين قال لها"وأوحينا إلى أم موسى ان أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافى ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين" [ القصص:7]

وهذا شأن المؤمن متوكل على الله موقن بوعده سبحانه .

وما الذي يجعل عمير بن الحمام يلقى تمرات كن في يده ويندفع نحو المعركة يوم بدر وهو يقول إنها لحياة طويلة إذا انتظرت حتى آكل هذه التمرات"إنه ما فعل ذلك إلا بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول ما من عبد يقاتل هؤلاء القوم اليوم صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر فيقتل إلا كان من أهل الجنة فقال عمير بخ بخ يا رسول الله قال ما حملك على قول بخ بخ يا عمير ؟ فقال يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت من أهلها فطار إلى المعركة فرحًا موقنًا بوعد رسول الله ، يضحي بنفسه إرضاء لله ورسوله وطمعًا في جنة عرضها السموات والأرض ."

الجود بالمال جود في تكرمه ** والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وهذا اليقين القوي هو الذي يجعل أنس بن النضر يوم أحد يقول لسعد بن معاذ: واهًا لريح الجنة والله أني لأجد ريحها من دون أحد"وأخذ يقاتل حتى قتل وقد وجد في أرض المعركة وبه بضع وثمانون ضربة ، وما عرفته إلا أخته ببنانه من كثرة ما به من جراح" ( متفق عليه )

وقوة اليقين والتوكل على الله لها أثر عظيم في سلوك العبد المؤمن ، فإنه يحيا مطمئن القلب هادئ النفس ، قرير العين ، فهو متوكل على ربه ، موقن بوعده راض بحكمه

ولذلك لما سئل الحسن البصري عليه رحمة الله ما زهدك في الدنيا يا أمام ؟ قال أربعة أشياء ، علمت إن رزقي لا يأخذه غيري فأطمأن قلبي ، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فاشغلت به وحدي ، وعلمت أن الله مطلع على فاستمييت أن يراني على معصية ، وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي ، فهكذا يفعل اليقين بأهله .

قدم سليمان بن عبدالملك مكة حاجًا ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ وجد سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ناحية من المسجد يقرأ القرآن ، فلما انتهى الخليفة ، من طوافه اقترب منه وألقى عليه السلام فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، أمير المؤمنين . فمال عليه الخليفة وقال له: يا أبا عمر سلني حاجة أقضها لك ، فسكت سالم حتى كررها الخليفة ، فقال سالم يا أمير المؤمنين أستحيي أن أكون في بيت الله وأسأل غيره ، فتركه الخليفة وانتظره حتى خرج من المسجد ، فلما خرج من المسجد قال له ها نحن قد خرجنا من بيت الله يا أبا عمر فسلني حاجة أقضيها لك - فقال يا أمير المؤمنين من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة ؟ قال بل من أمر الدنيا ، فإن الآخرة لا يملكها إلا الله . فقال يا أمير المؤمنين أنا لم أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسأل الدنيا من لا يملكها - فقال الخليفة - زادنا الله بكم يقينا آل الخطاب .

أيها الإخوة المسلمون:

ونحن وقد حقق الله لنا الفرج، وقد حقق الله لنا وعده، يجب أن يتعمق اليقين في قلوبنا وأن نجتهد في العبادة والطاعة .

قال تعالى:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين" [ العنكبوت: 69] وقال:"ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره" [ الطلاق: 3 ]

وقال ابن القيم عليه رحمة الله ( دم على طاعة الله حتى يجعل الله لك في قلبك عينًا ترى بها الغيب شهادة )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت