سادسًا: مواساته للرعية في هذه المجاعة
العظات والعبر من تلك المواقف
المواقف العظام، والأحداث الجسام، هي التي تبين معادن الرجال.
لقد ابتلي عمر رضي الله عنه ببلاءات كثيرة، وامتحن بامتحانات عسيرة، نجح فيها كلها، توجت باستشهاده رضي الله عنه، تصديقًا لقول نبينا صلى الله عليه وسلم:"أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ويُبتلى الرجل على قدر دينه".
ولقوله صلى الله عليه وسلم كذلك:"إن الله إذا حب عبدًا ابتلاه".
أكبر تلك الابتلاءات التي حدثت في عهده
1.طاعون عمواس عام 18هـ، الذي فني فيه عدد كبير، ولولا أن الله ألهم عمر أن لا يدخل بمن معه من المسلمين فيه لكانت الخسائر أفدح بكثير.
2.وعام الرمادة، في آخر سنة 17هـ، إلى أول سنة 18هـ.
فما هو عام الرمادة؟ ولم سُمي بهذا الاسم؟ ومتى كان ذلك؟ وما هي المواقف والتدابير التي اتخذها عمر إلى أن انجلت تلك الغمة؟ وما هي الدروس والعبر التي يمكن أن تستفاد من تلك المواقف؟
للإجابة على تلك الأسئلة نقول وبالله التوفيق:
عام الرمادة
وما أدراك ما عام الرمادة؟ إنه عام جدب وقحط، نتجت منه مجاعة ضربت أرض الحجاز.
متى كان هذا العام؟ وكم استمر؟
بدأت هذه المجاعة من أواخر عام 17هـ إلى أول سنة 18هـ، واستمرت لمدة تسعة أشهر.
لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟
رد الحافظ ابن كثير وغيره تلك التسمية لأسباب:
1.اسوداد الأرض من قلة المطر حتى عاد لونها شبيهًا بالرماد.
2.أوكانت الريح تسفي ترابًا كالرماد.
3.أولأن ألوان الناس أضحت مثل الرماد.
وقد يكون العام سُمِّي بهذا الاسم لتلك الأسباب مجتمعة.
الأدلة على شدة تلك المجاعة وقسوتها
منها ما يأتي:
1.ما أخرجه الطبري من خبر عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال:"كانت الرمادة جوعًا شديدًا أصاب الناس بالمدينة وما حولها، حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قبحها، وإنه لمقفر".
2.وقال الحافظ ابن كثير:"وقد روينا أن عمر عسَّ المدينة ذات ليلة عام الرمادة، فلم يجد أحدًا يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلًا يسأل، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن السؤَّال سألوا فلم يعطوا، فقطعوا السؤال، والناس في هم وضيق فهم لا يتحدثون ولا يضحكون".
3.قال نافع مولى الزبير: سمعتُ أبا هريرة يقول:"يرحم الله ابن حنتمة، لقد رأيته عام الرمادة، وإنه ليحمل على ظهره جرابين، وعكة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبًا؛ قال: فأخذت أعقبه، فحملناه حتى انتهينا إلى صرار، فإذا صرم نحو من عشرين بيتًا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد، قال: فأخرجوا لنا جلد الميتة مشويًا كانوا يأكلونه، ورمة العظام مسحوقة كانوا يسقونها، فرأيت عمر طرح رداءه، ثم ائتزر فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها، حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك".
4.تجمع بالمدينة من غير أهلها حوالي ستين ألفًا من العرب، وبقوا عدة أشهر ليس لهم طعام إلا ما يقدم لهم من بيت مال المسلمين، ومن أهل المدينة.
مواقف عمر رضي الله عنه للحد من خطر تلك المجاعة
لقد اتخذ عمر رضي الله عنه العديد من التدبيرات الحازمة، ووقف مواقف كريمة نبيلة، لم يستطعها أحد ممن جاء بعده، فقد صدق علي رضي الله عنه عندما قال له:"لقد أتعبتَ من بعدك"، يعني من الأئمة العدول، أمثال عثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، ومن شاكلهم، أما غيرهم من الحكام كثير فكأن الأمر بإقامة العدل لم يعنهم، وكأنهم غير مخاطبين بنحو قوله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته"الحديث.
وقوله:"ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة".
وقوله:"من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة".
وبوصفه صلى الله عليه وسلم للإمارة بأنها:"أمانة، وأنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".
مواقف عمر المشهودة، وقراراته الحازمة، وتصرفاته الحكيمة، التي كان لها الفضل بعد الله عز وجل في أن تمر هذه المجاعة، على الرغم من شدتها وقسوتها، من غير أن تخلف قتلى وخسائر في الأرواح، التي أصَّل فيها عمر للعمل الغوثي، كثيرة جدًا، وسنشير إلى أهم تلك المواقف، وإلا فحياة عمر بعد إسلامه وخلافته كلها مواقف مشرِّفة، ولحظات مضيئة، وصفحات بيضاء ناصعة، وأيادٍ كريمة على إخوانه المسلمين.
أولًا: الدعاء، والتضرع، والابتهال