لا خروج من هذا النفق المظلم، والفتن المحيطة، والمستقبل القاتم إلا بالرجوع إلى شرعنا المصفى، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
أولى تلك الوسائل وأهم هذه الأسباب العلم الشرعي، إذ مشكلة الإسلام الحقيقية تكمن في جهل أبنائه وكيد أعدائه.
ومعلوم أن المؤسسات التعليمية القائمة جلها مؤسسات علمانية، فهي معاول هدم ومسخ، ومنها كليات وجامعات إسلامية تستوعب أعدادًا قليلة بجانب التزامها بنظم وقواعد ومتطلبات قد تعوق قيامها بالدور المناط بها.
هذا بجانب الضغوط والمضايقات التي تواجهها.
من المعلوم ضرورة كذلك أن العلم بالتعلم، وأن العلم الشرعي ومفاتحه لا ينالان إلا بمجالسة العلماء ومزاحمة الحكماء منهم بالركب، والقرب من أنفاسهم، والحرص على الاستفادة منهم، لأن العلم يحتاج إلى الأدب والسلوك والهدي الصالح، والسمت الصالح.
التعامل مع الكتب من غير شيخ، وقبل الحصول على مفاتح العلم له أضرار بليغة ومخاطر كثيرة، ورحم الله أبا حيان الأندلسي حين قال مبينًا مضار ذلك ومحذرًا منه:
يظن الغمرُ أن الكتب تهدي أخا جهل لإدراك العلوم
وما علم الجهولُ بأن فيها مدارك قد تدقُّ عن الفهيم
ومن أخذ العلوم بغير شيخ يضل عن الصراط المستقيم
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
من العسير جدًا في زماننا هذا التفرغ لطلب العلم، أعني بذلك تفرغ العالم والمتعلم، حيث لم يبق إلا الانتساب إلى الجامعات الشرعية المفتوحة المتيسرة، وفي بعض الأحيان ولبعض الطلاب والشباب تكون في متناول اليد.
أعني بذلك الدروس المنتظمة في المساجد، فهي لا تحتاج إلى رسوم، ولا تسجيل، ولا تفرغ، ولا ترحيل، وغاية ما تحتاجه:
1.رغبة صادقة في طلب العلم الشرعي.
2.وعزيمة ماضية.
3.وقلب حاضر.
4.وتفرغ جزئي لمدة ساعة أوساعتين بما في ذلك المراجعة.
5.الكتاب الذي يدرس ودفتر وقلم.
6.وإن كان هناك جهاز تسجيل فزيادة خير.
فالعلم صيد و الكتاب قيد
قيد صيدك بالحبال الواثقة
وأوقات هذه الدروس لا تتعارض مع طالب، ولا عامل، ولا موظف، فهي من بعد صلاة الصبح إلى الشروق، ومن بعد صلاة المغرب إلى العشاء، في أيام معدودة، وساعات محدودة، وأوقات مباركة مشهودة.
وهي مفتوحة للصغير، والكبير، والشاب، والشيخ، والقارئ، والأمي، والمنتظم، وغير المنتظم، للعالم، والمتعلم، والمستعلم، والمحب، في العقيدة، والفقه، والحديث، والسيرة، والسياسة الشرعية، والتفسير، والأدب، والسلوك.
من أمثلة ذلك ما هو قائم في مسجد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمعمورة، حيث تقام فيه بفضل الله عز وجل ثلاثة دروس بعد الفجر، ودرسان بين المغرب والعشاء، على النحو التالي:
1.شرح موطأ الإمام مالك بعد فجر الإثنين من كل أسبوع.
2.شرح التجريد الصريح لصحيح البخاري بعد فجر الأربعاء من كل أسبوع.
3.شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد بعد فجر الثلاثاء من كل أسبوع.
4.شرح زاد المعاد في هدى خير العباد لابن القيم بين المغرب والعشاء يوم الثلاثاء من كل أسبوع.
5.شرح القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية والتنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنبلية لابن جُزَي المالكي.
وسيُنقل درس صحيح الترمذي للألباني من مسجد جامعة إفريقيا إلى مسجد المعمورة قريبًا بإذن الله.
هذا بجانب العديد من الدروس والدورات القصيرة المدى التي يقيمها السادة العلماء والضيوف الفضلاء من خارج البلد وداخله، التي عمر وأنار الله بها المساجد في معظم مساجد ولاية الخرطوم وغيرها.
والمطلوب من السادة المشايخ الإكثار من هذه الدروس والمداومة عليها، فأحب العمل إلى الله أدومه، والتحضير لها وتنويعها حتى تلبي جميع الرغبات وتحقق كل الطلبات.
وينبغي للشباب خاصة الاستفادة من هذه الدورس والحرص عليها، وتشجيع غيرهم وحضهم، فالدال على الخير كفاعله، ورب مبلغ أوعى من سامع، ولئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم.
وينبغي للجان المساجد والمسؤولين عنها أن يسعوا لإقامة هذه الدروس، وأن يهيئوا لها الجو المناسب، وأن لا تضيق صدورهم بها، فعمارة المساجد بعد إقامة الصلوات المكتوبة والاعتكاف يكون بإقامة الدروس، والندوات، والدورات العلمية النافعة.
لا تحرم أخي المسلم، طالبًا كنت، أم عاملًا، أم موظفًا، أم تاجرًا نفسك من ذلك، واحذر التعليلات الفارغة، والأماني الكاذبة، فما أنت فيه مهما كان ليس بأوجب عليك ولا أحب إلى الله مما ندعوك إليه.
كان الشافعي رحمه الله ينشد:
إذا رأيتَ شباب الحي قد نشأوا لا يحملون قِلال الحبر والورقا
ولا تراهم لدى الأشياخ في حِلقٍ يعون من صالح الأخبار ما اتسقا
فعد عنهم ودعهم، إنهم همج قد بدَّلوا بعلو الهمة الحُمقا