فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 1363

إن نجاح أهل العلم في الاضطلاع بدورهم وفي إنقاذ الأمة والخروج بها من حلقات الفتن وسلاسل المحن والإبحار بها نحو الغايات العظام لا يمكن بلوغه ولا سبيل إلى دركه إلا بأسباب تمخر بها سفينة الأمة عباب هذه الأمواج المتلاطمة فإن السفينة لا تجري على اليبس. وهذه الأسباب سلسلة من خصال البر من إخلاص العمل لله تعالى وإصلاحه بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وتقوى الله تعالى في السر والعلن، والنصح للأمة والتحلي بأحسن الأخلاق من العلم والحلم واللين والرفق والصبر وغير ذلك من صفات الخير التي تتحقق بها صفات أئمة المتقين التي ينتظمها قول الله تعالى:--خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ? (الأعراف: 199) ، وقوله تعالى:--وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ? (السجدة: 24)

إن كثيرًا من أهل العلم الذين يحملون همَّ هداية الأمة وإصلاح أوضاعها لا يخفى عليهم ما لهذه الأسباب من الأهمية والأثر إلا أن هناك سببًا رئيسًا غائبًا غفل عنه كثيرون، وهو لا يقل أهمية عن الأسباب المتقدمة لإنجاح دور العلماء المنشود في إنقاذ الأمة من الفتن والمحن، ألا وهو تواصل أهل العلم فيما بينهم وتواصيهم بالبر والتقوى والصبر والمرحمة وتعاونهم في ذلك. إن أهل العلم بحاجة ماسة إلى أن يمدوا بينهم جسور المحبة والألفة والاجتماع والأخوة والمشورة، فإن كثيرًا من الخير وحظًا وافرًا من الإصلاح يتحقق بذلك. ويتأكد هذا التواصل والتواصي في النوازل الكبار والأزمات الجسام لأمور عديدة أبرزها ما حوته النقاط التالية:

أولًا

أن معالجة ما تمر به الأمة من أخطار ومواجهة ما يعصف بها من أحداث أمر يفوق جهود الأشخاص ويتجاوز طاقات الأفراد مهما كانت ألمعية عقولهم ورسوخ علومهم، وقد كان سلفنا يقولون في بعض ما يرد عليهم من مسائل العلم: هذه مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر، فإذا كان هذا هديهم في المسائل الشخصية الفردية، فكيف بالنوازل المصيرية التي يتأثر بها واقع الأمة ويرتسم بها مستقبلها، أفيسوغ أن يبت فيه فرد أو يستقل بها رأي؟! فليت شعري من الذي تقوى درعه على تلك السهام. فلا بد من تضافر الجهود وتراص الصفوف ونبذ الاعتداد بالنفس والاستبداد بالرأي وتضخيم الذات، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا.

ثانيًا

أن جزءًا كبيرًا مما أصاب الأمة ويصيبها من الفتن والنكبات إنما هو بسبب ما جرى في الأمة من التنازع والفرقة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها; وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها ) ).

ثالثًا

أن مما يؤكد ضرورة أهل العلم إلى وصل ما بينهم في أيام الفتن وتواصيهم بالحق والصبر أن الفتن أعاذنا الله منها تغير القلوب وتشوش عليها بما تبعثه من الشبهات المانعة من معرفة الحق والحائلة دون قصده. ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتن بأنها كقطع الليل المظلم كما جاء في صحيح مسلم (169) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (( بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم ) )، ووصفها أيضًا بأنها عمياء صماء كما في سنن أبي داود (3706) من حديث حذيفة. وإنما وصفت الفتنة بذلك؛ لأن الإنسان يعمى فيها عن أن يرى الحق، وأن يسمع فيها كلمة الحق.

رابعًا

أن واجب النصيحة للأمة يتطلب من أهل العلم ورثة الأنبياء أن يبذلوا وسعهم في دلالة الأمة على خير ما يعلمونه لهم وأن يحذروهم شر ما يعلمونه لهم وإنما يبلغ الناصح ذلك بالاجتهاد في تبين الصواب ومشاورة أولي الألباب من إخوانه، فقد أثنى الله على أهل الإيمان بهذا فقال في سياق الثناء عليهم:--وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ? (الشورى: 38) . وما كان أغنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يشاور أحدًا وقد تكفل الله له بالهداية والنصر، ومع ذلك فقد أمره الله تعالى بمشاورة أصحابه رضي الله عنهم فقال تعالى:--وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ? (آل عمران: 159) . ولقد بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأخذ بذلك حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه كما في الترمذي: ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فواجب على ورثته أن يتأسوا به. قال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل والعقل الفرد ربما ضل.

وقال بشار بن برد:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوة للقوادم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت