وثمة أمر آخر، وهو أن هناك ساحات ليست بالقليلة يباح الاختلاف غير المصَاحَب بالبغي فيها، وهي دائرة خلاف التنوع في الفروع، كيف وقد خالف ابن مسعود عمر رضي الله عنهما في مائة مسألة من ذلك، ومع ذلك كان حكم عمر على ابن مسعود بأنه:"كنيِّف ملئ علمًا"، وقال ابن مسعود عند استشهاد عمر:"لم يصب الإسلام بمثل مصيبته في عمر".
وفي هذا الإطار يمكن أن تحمل المقولة التي قالها الشيخ محمد رشيد رضا وتبناها الشيخ حسن البنا رحمهما الله:"دعونا نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، هذا إذا لم يتعد الاختلاف حدوده السائغة، أما إذا تعداه إلى خلاف التضاد فقد حرم الانتساب والاجتماع معه.
فهذه المقولة لا يمكن أن تطلق على علاتها، إذ لابد أن تقيد بهذا القيد، وإلا فإنها تأتي بالطوام العظام، لأنه لا يملك أحد أن يعذر أحدًا أويأذن له في الممارسات الشركية، أوفي تأويل صفات الرب سبحانه وتعالى، أوأن معاني هذه الصفات غير معقولة ولم يتعبدنا الله بها؟
لا يملك هذا إلا صاحب الشريعة، فما أذن وعذر فيه صاحب الشريعة حقَّ لنا أن نأذن ونعذر فيه، وما لم يأذن ويعذر فيه فلا يحل لأحد أن يتجرأ عليه.
أسس الائتلاف والاجتماع
للائتلاف، والاجتماع، والانتساب للعمل الإسلامي أركان وأسس ينبغي مراعاتها:
1.الاتفاق على الثوابت والمسلمات
حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف أبرز معالم الفرقة الناجية المنصورة التي يتحتم توفرها في كل مسلم يريد النجاة يوم القيامة:"ما أنا عليه وأصحابي اليوم"، هذه الكلمة الجامعة المانعة، فما لم يكن في ذلك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا.
ما أيسر وأسهل الإقرار بذلك من الناحية النظرية، وما أصعب وأشق الالتزام بذلك عمليًا، في العقيدة، والتصور، والمنهج، والعبادة، والسلوك، والمعاملات.
هذا هو الركن الأساس للاجتماع والائتلاف، فإذا فقِد أوأخِلَّ به فلا قيمة لأي أساس أخر، ومن ثم يحرم الاجتماع والانتساب مع فقده كليًا أوجزئيًا، فجل التفرق والتمزق الذي أصاب الجماعات العاملة في مجال الدعوة مرده إلى فقدان ذلك أوالإخلال به.
2.تحديد مجالات العمل
لا بد من تحديد المجالات التي يود العمل فيها، وتستوجب التعاون، إذ عدم الاتفاق على ذلك بصورة قاطعة معول من معاول التفرق بعد اجتماع.
من أخطر المجالات التي ينبغي أن تكون الرؤية فيها واضحة وجلية:
1.الجانب السياسي: إذ تعتبر السياسة في هذا العصر أول عامل للتفرق والتشتت، لكثرة مزالقها، وقذارة أساليبها.
2.جانب المرأة: لقد حدد الإسلام مجال عمل المرأة وقصره على البيت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والمرأة راعية على بيت زوجها و ولده، ومسؤولة عن رعيتها".
أما منح المرأة حقًا لم يمنحه لها الشارع الكريم، ومطالبتها بأن تزاحم الرجل، وتتمنى ما فضل الله به الرجال عليها، وتنخدع بدعايات وأكاذيب دعاة إفساد المرأة وإخراجها من بيتها، فيما يعرف بالحقوق السياسية، فهذا عين المخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.
3.الطاعة لا تكون إلا في المعروف
من المسلمات في هذا الدين أن الطاعة فيه لكل من وجبت عليك طاعته بالمعروف، فلا مجال لطاعة أحد قائد جماعة أوغيره في غير طاعة الله.
4.أن لا يضم التجمع أحدًا من أصحاب البدع الكفرية
هذا أيضًا من المسلمات في هذا الدين، فالتجمع الذي يضم بعض أصحاب البدع الكفرية ومن باب أولى القادة، دعك عن الكفار، لا يحل لأحد الانتساب إليه، أوالتنسيق معه.
5.أن يتولى القيادة علماء شرعيون
لا يحل لأحد أن يسعى لتجمع أوينتسب لجماعة يتولى قيادتها غير العلماء الشرعيين، سيما العلمانيين، فلا مجال لتصدر هؤلاء، بل ينبغي الفرار من هذا الصنف أكثر من الفرار من السباع الضارية.
6.الاقتصار على أهل السنة
هذا الشرط لازم من الشرط الأول، وهو الكون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.
عوامل تؤدي إلى التفرق
في غمرة الحرص على التجميع ولمِّ الصف يغفل البعض عن أمور مهمة يجب الحذر منها، لأنها عوامل هدم، نشير إلى أخطرها:
1.الحرص على الكثرة من غير التفات إلى الكيف.
2.تحكيم العواطف على العقل.
3.الحذر من التعامل بردود الأفعال.
4.أن لا يكون التجمع غاية في ذاته، وإنما يكون وسيلة لتحقيق غايات وأهداف مشروعة.
الحذر من السعي لجمع المتناقضات
في بعض الأحيان قد يكون التمايز والانفصال من الجماعة المعينة خيرًا من البقاء فيها، فالطلاق بغيض وكريه إلى النفوس، ولكن شرعه الله في بعض المواطن التي يستحيل معها البقاء والاستمرار، ولهذا جاء في الأثر:"أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، فآخر العلاج الكي، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
فالسعي للتجمع ينبغي أن يكون بين الذين تجمعهم أرضية مشتركة، وأن يكون هناك توافق، خاصة في مجال العقيدة، والتصور، والمنهج، في دائرة أهل السنة الرحيبة.