ولسنا نقصد بمراعاة نفوس الناس، واعتبار أحوالهم وعقولهم أن تميع القضايا، أو تمطط المسائل الشرعية، وتحرف وتغير لأجل إقناع طائفة من الناس مثلًا بأن الإسلام دين اليسر والتسهيل، أو نحو ذلك، فإن ثمة فرقًا بين تحريف الحق وإخضاعه لأهواء الناس، وبين إبقائه على حاله واضحًا جليًا محددًا كما أنزله الله، وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن يختار 'الأسلوب المناسب' والوقت المناسب لإيصال ذلك الحق ' كما هو في الشرع ' للناس .
فكثيرًا ما يحدث خلط في هذه ا لقضية، ويقع فيها اللبس أو التلبيس، فتزور الحقائق الشرعية، وتغير باسم: سماحة الإسلام ورفقه ويسره، والحكمة في الدعوة إليه.. ونحو ذلك، وهذه الأمور صحيحة في نفسها، ولكن تفسيرها بهذه الكيفية ليس على وجهه الصحيح .
فالإسلام دين الرفق.. نعم ودين السماحة، ودين اليسر، ورفع الحرج، ولكن ليس معنى ذلك أن نأتي إلى حقائقه الثابتة، ومسائله البينة، وقضاياه الجلية؛ ونصرفها عن مدلولها الشرعي الصريح الصحيح، ونؤول معناها، بل نحرفه بغية إقناع الناس بها.
فنحن بهذا العمل - وفي حقيقة أمرنا - لا نقنع الناس بحقائق الإسلام التي أنزلها الله، والتي أراد منهم الإيمان بها، والالتزام بتعاليمها، ولكننا تركنا 'حقائق الإسلام ' الصحيحة جانبًا، وقدمنا لهم ما تشتهيه أنفسهم، وتهواه قلوبهم بـ 'اسم الإسلام' .
وليس هذا هو موطن الحكمة في الدعوة إلى الله، ولكن الحكمة، وحسن التبليغ أن نتقن إيصال الحق البين دون خدش ولا تحريف إلى الناس، فالحكمة إنما تكون في الأسلوب والطريقة، والكيفية والوسيلة التي نوصل بها 'الحق'، ولهذا قال الله سبحانه: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... [125] } [سورة النحل] .
فالدعوة إنما تكون إلى: {... سَبِيلِ رَبِّكَ... } التي هي الإسلام الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... [153] } [سورة الأنعام] . وكما قال عز وجل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [6] صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [7] } [سورة الفاتحة] .
وما أجمل ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله حيث يقول:'إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة؛ فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه' [4/2201الظلال] .
والحقيقة إن تحريف مسائل الشرع - ولو كانت في عين البعض صغيرة - أمر في غاية الخطورة، وهو في واقع أمره من الكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا، فإن الشارع قد جوز للعالم، أو الداعية أن يكتم بعض العلم لمصلحة معتبرة يراها، وله في بعض الأحيان السعة في هذا الأمر .
ولكنه لم يجوز لهم بحال أن يغيروا أو يبدلوا شيئا مما بينه وقرره الشرع تحت أي دعوى ولا اعتبار لما يتوهمه البعض من المصالح الموهومة المتعلقة بذلك، بل جاء الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد الذي يزجر القلوب عن ذلك أشد الزجر، ويردعها عنه أعظم الردع، كل ذلك إبقاء للحق على نصاعته، وحفظا له، وصيانة لمصادره .
فقد بوب البخاري رحمه الله قائلًا: [ بَاب: مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا ، وَقَالَ عَلِيٌّ:' حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ'؟] . وساق تحته حديث معاذ رضي الله عنه عندما كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:'مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً' . رواه مسلم في مقدمة صحيحه.. هذا فيما يتعلق بترك بيان بعض العلم؛ جلبًا لمصلحة شرعية راجحة، أو درءًا لمفسدة كالتي ذكرها ابن مسعود رضي الله عنه .
أما تحريف الحق وتغييره والتصرف فيه، فهذا ما لا يجوز بحال، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي أغرق فيه اليهود، ورفعوا لواءه قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فينبغي التفريق بين:
-سعة الأمر في كيفية الدعوة، واختيار الأسلوب المناسب، والوقت الملائم.
-وبين حفظ ما يدعو المسلمُ إليه، وعدم خدشه، وتمييعه.
ونضرب لذلك مثلًا يتضح به المراد أكثر، ويتجلي به المقصود من واقع توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في مثل هذه المسائل: