فلماذا تتفوق تكنولوجيا الجريمة على تكنولوجيا مقاومة الجريمة؟ لأنه إذا فقد الإيمان بالله سبحانه وتعالى فلا تستغربوا أبدًا أن يكون هذا ولهذا انظروا إلى مجتمعنا ونحن لا نزكي أنفسنا ولا ينبغي لنا ذلك ونحن نعلم الفرق والبعد الشاسع بين مجتمعنا هذا، وبين ما كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا نحن نرجو ويجب علينا جميعًا رجال الأمن وخلافهم، أن نتعاون ليعود مجتمعنا هذا إلى ما كان عليه مجتمع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدر الإمكان، -وإلى واقعنا ولله الحمد، كل ما نعيش فيه من أمن ورخاء ومن نسبة متدنية للجريمة فإنها نتيجة لوجود بقايا الإيمان في مجتمعنا، وروابط الإيمان التي تشد بعضه إلى بعض، ونتيجة تطبيق حدود الله تبارك وتعالى على هؤلاء المجرمين، وبقدر ما يتعكر الأمن فعلينا أن نراجع أنفسنا ولا نتهم إلا أنفسنا، ولنعلم أن ما أصابنا فبما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير، وأنه بقدر بعدنا عن تحقيق الإيمان، بقدر ما يكون الخلل في الأمن.
فنحن لن نبلغ الجنة ولا نبلغ رضا الله تبارك وتعالى إلا بالإيمان بالله حق الإيمان، وبتحقيق توحيد الله تبارك وتعالى، وفي نفس الوقت لن يتحقق لنا الأمن والرخاء والاستقرار في مجتمعاتنا وفي حياتنا الدنيا إلا بتحقيق الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
إن الله تبارك وتعالى لما أنزل أبانا -الإنسان الأول آدم عليه السلام- إلى الأرض، جعل له منهج الهدى، وقال: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] ومعنى لا يضل ولا يشقى. أي: الهداية والسعادة، فتكفل الله تبارك وتعالى لمن اتبع الكتاب والسنة وطريق الرشد الذي جاء به محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالهداية والسعادة، منذ أن نزل الإنسان الأول وإلى أن يرث الله تبارك وتعالى الأرض ومن عليها، ولا يمكن أن تتحقق الهداية والسعادة والرخاء إلا في ظل الإيمان بالله، والحياء منه، وامتثال أوامره وطاعته تبارك وتعالى.
من صور فقدان الأمن في الآخرة
قال الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] نعوذ بالله من ذلك، فالصراط أحدُّ من السيف وأدَّق من الشعرة، فكيف إذا بعث الإنسان أعمى، هل يمشي على هذا الصراط أم يقع في النار -نعوذ بالله-؟ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه:125] يقول: إنك يا ربنا تعيد الخلق كما بدأته أول مرة، فكيف هذا العمى بعد البصر في الدنيا؟ قال: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:125-126] - نعوذ بالله - ولهذا نخاف والله من أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم شاكيًا لرب العالمين: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30] .
فهجر القرآن هو الإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى، وعن تحكيم كتابه، عن التعاون لإقامة دينه، وخصوصًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نخشى والله أن يكون هذا الهجر واقعًا فتكون النتيجة هي أن نفقد السعادة والهداية.
وانظروا إلى الذين يتعاونون لإسقاط حد من حدود الله تبارك وتعالى، أو الشفاعة في حد من حدود الله تبارك وتعالى، إن ذلك يسبب الهلاك، ولذلك لما سرقت امرأة مخزومية من قريش، وهاب الصحابة أن يكلموا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شأنها، وعلموا أنه سيقطع يدها، فكلموا أسامة بن زيد لعله يشفع لها عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمنزلته عنده، فأتاه فكلمه، فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكأن الأمة قد انقض عليها صاعقة من السماء، وقال: {إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد } .
فإذا كان المجتمع يتواطأ ويتعاون على أن لا يقام حد من حدود الله تبارك وتعالى، أو على أن يشفع في حد من حدوده، فإن النتيجة الحتمية لهذا المجتمع هي أن يزداد الخوف، وتزداد الجريمة، أما إذا كان التعاون على البر والتقوى، وكان موظف أو رجل الهيئة مع رجل الأمن، ومع الرجل العادي، كلهم يتعاونون على ألا تشرب الخمر -مثلًا- وعلى ألا يكون الزنا، وتكون السرقة، وإذا كان حد من حدود الله تبارك وتعالى لم يشفعوا فيه، ولم يبدلوا ولم يغيروا في البيانات ولا في الأوراق، ولا في أي شيء من شأنه أن يعطل هذا الحد أو ينفيه، فإن النتيجة حينئذٍ أن يكون الأمن والرخاء بإذن الله تبارك وتعالى.
من صور فقدان الأمن في الدنيا