فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 1363

1.عندما نزل قوله تعالى:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"قال أبو طلحة رضي الله عنه: إن أحبَّ مالي إليّ بَيْرَحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بَخٍ! ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين؛ فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه"."

2.وعن ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرتَ يا رسول الله إني أعتقتُ وليدتي؟ قال: أوفعلتِ؟ قالت: نعم؛ قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك"."

3."الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة".

4.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية:"وأنذر عشيرتك الأقربين"دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، وقال:"يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِمًا سأبلها ببلالها".

5."بلوا أرحامكم ولو بالسلام".

ذوو الأرحام ليسوا سواء

لقد أمر الله بالعدل والإنصاف، ونهى وحذر من الظلم، وقد حرمه الله على نفسه وجعله بيننا محرمًا، لهذا فليس من العدل والإنصاف التسوية في الصلة بين الأرحام، مسلمهم وكافرهم، برَّهم وفاجرهم، مستقيمهم وفاسقهم، سنيهم ومبتدعهم، لهذا فلابد للمسلم أن يراعي هذه الفروق في صلته ومعاملته لذوي الأرحام الخاصين والعامين، فعليه أن يصل من أمر الله بوصلهم، وأن يقطع - ولا يتحرَّج في ذلك - من أمر الله بقطعهم:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم والآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أوأبناءهم أوإخوانهم أوعشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون".

بل الكفار والمبتدعة والفجار ليسوا سواء، فالكفار منهم المحارب المقاتل للمسلمين، ومنهم المسالم، والمبتدعة والفجار منهم المجاهر ببدعته وفسقه الداعي لذلك، ومنهم المستتر ببدعته وفجوره، ولكل من هؤلاء حكم، ولهذا فرَّق الله سبحانه وتعالى بين الكافرين، حيث جعل النار دركات كما أن الجنة درجات، فأبو لهب في الدركات السفلى من النار وذلك لشدة بغضه وعداوته وفجوره في الخصومة لابن أخيه، وأبو طالب في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، وذلك لحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفاعه عنه حميَّة.

فذو الأرحام في الصلة درجات كذلك:

الأولى: أهل الاستقامة والدين والتقوى

وهؤلاء يوصلون بالأسباب السابقة الذكر، سواء كانت رحمهم عامة أم خاصة.

الثانية: أهل البدع والفسق والفجور

وهؤلاء نوعان:

أ. مجاهر ببدعته، وفسقه، وفجوره، داعٍ لذلك.

فهؤلاء يهجرون هجرًا تامًا، وهجر هؤلاء من أجلِّ القرب عند الله عز وجل، ولا ينبغي أن يجامل في ذلك. وإن كان في مداراتهم واتقائهم درء مفسدة أوجلب منفعة استحب مداراتهم واتقاؤهم حسب الحاجة إلى ذلك، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا، وقد قال الله عز وجل:"إلا أن تتقوا منهم تقاة"، وقد هشَّ وبشَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في وجه عيينة بن حصن، وقد قال عندما استأذن عليه:"بئس أخو العشيرة"، وعندما قيل له في ذلك، قال:"إنا نهشُّ في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم"، أوكما قال.

ب. متسترين ببدعهم وفسقهم.

هؤلاء يعاملون معاملة المسلم مستور الحال، إلا لمن علم حقيقتهم، وحتى في هذه الحال إن كان في معاملتهم والإحسان إليهم درء مفسدة أوجلب منفعة لهم أولغيرهم عوملوا ووصلوا، سيما من أقربائهم.

الثالثة: الكفار والمنافقون

وهؤلاء نوعان كذلك:

أ. محاربون، وهؤلاء يقاطعون ولا يوصلون إلا من باب المداراة واتقاءً لشرهم.

ب. غير محاربين، وهؤلاء يوصلون بالإحسان وبحسن المعاملة ونحو ذلك.

بم يوصل ذوو الأرحام من الكفار والفجَّار غير المحاربين؟

إجمالًا، فإن هؤلاء يوصلون بالطرق التالية:

1.بذل الجهد في وعظهم ومناصحتهم، ودعوتهم إلى الإسلام وإلى الاستقامة بشتى الطرق، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا على هداية عمه أبي طالب حتى ساعة الاحتضار، ولم ييأس منه إلىأن نزل قوله تعالى:"إنك لا تهدي من أحببتَ ولكن الله يهدي من يشاء".

2.الدعاء لهم بالهداية بظهر الغيب، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو لقومه:"اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"،"اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت