فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 1363

2.يحكى أن شابًا كان مكبًا على اللهو واللعب، لا يفيق عنه، وكان والده صالحًا ذا دين وخلق، كثيرًا ما يعظه ويقول له: يا بني احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألحَّ عليه زاد في العقوق وجار على أبيه، وفي يوم ألحَّ على ابنه بالنصح كعادته، فمدَّ الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو على ولده، فخرج إلى البيت الحرام وتعلق بأستار الكعبة، وأنشأ يقول:

يا من إليه الحجاج قد قطعوا عَرْضَ المهامة من قرب ومن بعد

إني أتيتك يا من لا يخيِّب من يدعوه مبتهلًا بالواحد الصمد

هذا مُنُازلُ لا يرتد من عققي فخذ بحقي يا رحمن من ولدي

وشلَّ منه بحول منك جانبه يا من تقدس لم يولد و لم يلد

فاستجاب الله دعاءه فشلَّ شق ولده الأيمن في الحال.

3.وحُكي أن رجلًا كان من المياسير بالبصرة، وكان يتمنى أن يرزق ولدًا وينذر عليه النذور، فولد له وسرَّ به، وأحسن تربيته حتى ارتفع عن مبلغ الأطفال إلى حد الرجال، ولم يهمه شيء من أمر الدنيا سوى هذا الولد، وقد أحسن إليه غاية الإحسان، فلم يشعر الأب ذات يوم إلا بخنجر خالط جوفه من وراء ظهره، فاستغاث بابنه مرتين فلم يجبه، فالتفت فإذا هو صاحب الضربة، فقال الشيخ وهو يضطرب من الألم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أستغفر الله، صدق الله؛ أراد بالتهليل أن يلقى الله بالإيمان، وأراد بالاستغفار أن الله حذره فلم يحذر من ابنه بقوله:"إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم ، فجمع في هذه الكلمات كل ما يحتاج إليه في هذه الحال."

4.ورد في سبب نزول قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم"عن ابن عباس رضي الله عنه أنها نزلت بالمدينة - وبقيتها مكية - في عوف بن مالك الأشجعي، شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده.

وعن عطاء بن يسار: كان - أي عوف - ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، فقالوا: إلى من تدعنا؛ فيرق فيقيم.

قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدوًا لذاته وإنما كان عدوًا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوًا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة.

قال القرطبي:(كما أن الرجل يكون ولده وزوجه عدوًا، كذلك المرأة يكون لها زوجها وولدها عدوًا بهذا المعنى بعينه، وعموم قوله:"من أزواجكم"يدخل فيه الذكر والأنثى لدخولهما في كل آية.

ثم قال: قال الحسن في قوله"إن من أزواجكم": أدخل من للتبعيض لأن كلهم ليسوا بأعداء، ولم يذكر"من"في قوله تعالى:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما)"

5.من العقوق البيِّن الواضح تصرف بعض الأبناء الغلاة الجفاة مع آبائهم وأمهاتهم، ومخاشنتهم لهم، والغلظة عليهم، ثم هجرهم وتكفيرهم في نهاية المطاف.

الواجب على هؤلاء أن يتلطفوا ويرفقوا بآبائهم وأمهاتهم، وذوي أرحامهم، وأن يتأسوا بالأنبياء والرسل في صنيعهم مع آبائهم وذويهم من الكفار، فقد سلكوا معهم شتى السبل، وسألوا الله نجاتهم، فنوح عليه السلام:"ونادى نوح ربه فقال ربِّ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنِِ ما ليس لك به علمإني أعظك أن تكون من الجاهلين، ولم ييأس من ابنه ولم يتوقف عن دعوته حتى بعدما ركب السفينة، قال له:"يا بنيَّ اركب معنا"."

وهاهو إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الأتقياء لم يتبرَّأ من أبيه وقومه إلا بعد أن بذل معهم كل مجهود، وداراهم وناظرهم، بل إن أباه كان يلزمه في أول نشأته أن يبيع له مع إخوته الأصنام التي كان يصنعها، فكان إبراهيم عليه السلام يأخذها ويخرج، وينادي عليها: من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي.

وها هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لم ييأس من عمه إلى ساعة الاحتضار، وسأل ربه أن يستغفر لأمه، فأبى، ثم سأله أن يزورها فأذن له في ذلك.

ما يفعله هؤلاء منافٍ للدين، والعقل، والعرف، إذ أن أمر الوالدين حتى في الأمر والنهي يختلف عن أمر الآخرين، وإن كان الرفق مطلوبًا مع جميع الخلق، فما دخل في شيء إلا زانه، فهو مع الوالدين من باب أولى وبالأحرى، حتى إذا يئس منهم اعتزلهم بالحسنى، ورحم الله أبا داود صاحب السنن عندما سئل هل يروي عن أبيه، فقال للسائل: سل عن هذا غيري؛ فأصرَّ عليه، فقال: إنه الدين، لا تروِ عنه.

ولله در ابن عمر عندما سئل عن الخوارج، وقيل له: ما تقول في فتية شببة، ظراف، نظاف، وذكِر له من اجتهادهم في العبادة، ثم قيل له: ولكن يكفِّر بعضهم بعضًا؛ قال: ماذا تركوا من دناءة الأخلاق إلا أن يكفِّر بعضهم بعضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت