قال شيخ الإسلام:(فليس في التوراة والإنجيل والنبوات ما هو من العلوم النافعة والأعمال الصالحة إلا وهو في القرآن، أو ما هو أفضل منه.
لكن النصارى لم يتبعوا لا التوراة والإنجيل، بل أحدثوا شريعة لم يبعث بها نبي من الأنبياء).
إلى أن قال مدللًا على تكميل هذه الشرائع لبعضها البعض، وعدم تناقضها:(إن شريعة التوراة يغلب عليها الشدة، وشريعة الإنجيل يغلب عليها اللين، وشريعة القرآن معتدلة جامعة بين هذا وهذا.
ولهذا جاء في وصف محمد صلى الله عليه وسلم:"إنه نبي الملحمة، وأنه الضحوك القتال".
إلى أن قال: ولهذا قال بعضهم: بعث موسى بالجلال، وبعث عيسى بالكمال، وبعث محمد بالكمال.
ثبت بذلك أنه لا مجال للمقارنة بين شرع محمد صلى الله عليه وسلم وبين جميع الشرائع السابقة له، لاشتمال شريعته لكل خير فيها وصلاحه لكل زمان ومكان، ولهذا تولى الله حفظها وجعلها المهيمنة إلى أن يقوم الناس لرب العالمين) .
أما ما جاء في هذه المقارنة من الإثم والبهتان ما يأتي:
1.اعتراضها على لعن الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود والنصارى، يردُّه لعن رسولين كريمين من بني إسرائيل لليهود والنصارى، وهما داود وعيسى عليهما السلام:"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون".
فاليهود والنصارى ملعونون على ألسنة جميع الأنبياء، إما بلسان الحال أولسان المقال، فلا غرابة أن يلعنهم خاتمهم، فلعنهم قربى وعبادة.
أما حسن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم وحلمه ومسامحته فشهد بهما القرآن الكريم، ورب العالمين، حيث قال في وصفه:"وإنك لعلى خلق عظيم"،"ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك"،"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم".
ويدل عليه دعاؤه بالهداية للمشركين الذين أذوه وأخرجوه من بلده، حيث كان يقول:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".
وعندما كان يُطلب منه أن يدعو عليهم كان يقول:"لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله".
وعندما قال له الطفيل بن عمرو الدوسي: ادعُ على دوس، لقد غلبني عليهم الزنا؛ دعا لهم، وقال: اللهم اهدِ دوسًا وائت بهم.
أما حلمه فيشهد عليه مواقفه مع الأعراب الغلاظ الجفاة، مما دعا أحدهم أن قال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد سوانا.
لكن نعوذ بالله من الحقد والجهل ومن عمى البصائر.
2.الافتراء الثاني زعمها:"استعباده الناس بالقوة وتجارة العبيد".
وتقصد بذلك إنكار فريضة الجهاد التي شرعها رب العباد لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، فمن أبى الإسلام والجزية كان الواجب أن يُقتل، ولكن تفضل عليهم الإسلام واستبدل ذلك بالاسترقاق عسى الله أن يمن عليهم بالهداية، فهذا التشريع ليس من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن وضعه رب الأرباب، وعندما آثر الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ الفداء من أسرى بددر بدلًا من القتل عوتب في ذلك:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض".
ثم حث أتباعه على العتق، ورتب عليه الأجر الجزيل، وشرع الكفارات بعتق الرقاب، فأي مأخذ في التزام الرسول صلى الله عليه وسلم بما أمره به ربه؟
أما تجارة الرقيق فقد كانت معروفة منذ القدم، قبل المسيحية والإسلام، وفي العصر الحديث أول من مارسها الأروبيون والأمريكان، حيث استرقوا الأحرار واستعبدوا البشر لمصالحهم الذاتية، وأخذوهم مقيدين من إفريقيا وآسيا للعمل في المناجم والمصانع، فما هذا الخلط والتدليس؟
أما حسن معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم للخدم قبل البعثة وبعدها فيشهد لها إيثار زيد بن حارثة له على والده وعمه عندما جاءا لفدائه، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمنزلة الأب والعم؛ فقالا: ويحك يا زيد! أتختار العبودية على الحرية؟ قال: نعم، لقد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا.
وقالت عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين:"ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا له قط، ولا امرأة له قط، ولا دابة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء، حتى ينتقم لله، وما عرض عليه أمران أحدهما أيسر من الآخر إلا أخذ بأيسرهما، إلا أن يكون مأثمًا، فإن كان مأثمًا كان أبعد الناس عنه".
وفي الصحيحين كذلك قال أنس رضي الله عنه:"خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته؟ ولا لما صنعتُ لما لا صنعتَ، وكان بعض أهله إذا عتبوني على شيء يقول: دعوه، فلو قدر شيء لكان هذا".