فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 1363

فهذا كلام حق أريد به باطلًا، للفرق الشاسع بين الموالاة والخضوع والاستكانة والتطبيع، وبين البر والإحسان إلى من يخالفك في الدين، ويباينك في العقيدة، فربما كان برك وإحسانك إليه سببًا في هدايته واغتباطه بدينك.

ثم لماذا ينظر هؤلاء إلى النصوص بعين عوراء؟ ولماذا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟

أين هؤلاء من قوله عز وجل:"لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أوأبناءهم أوإخوانهم أوعشيرتهم".

وثمة شيء آخر، وهو أن الكفار الذين يواليهم من يواليهم اليوم محاربون للإسلام، ساعون للقضاء عليه وبكل الطرق، مجاهرون بذلك، مصممون على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، عازمون على القضاء على جميع المظاهر الإسلامية من الحجاب إلى إعفاء اللحى.

2.وبأن الصلح مع الكفار جائز، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صالح المشركين في الحديبية، وهذا قياس مع الفارق والفارق الكبير جدًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم صالح ثقة بوعد ربه، وصلح الحديبية على الرغم من أن ظاهره فيه ظلم وهضم للمسلمين لكن كان باطنه رحمة عليهم.

ومما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصالح عن ضعف واستكانة طلبه المبايعة على قتال المشركين عندما أشيع أن عثمان رضي الله عنه قد قتل.

فهل هناك من مقارنة بين استكانة اليوم وبين صلح الحديبية؟!

3.مما يصك به البعض الآذان ويشوشون به على العوام ما يعرف بـ"صحيفة المدينة"، هذه الصحيفة ضعيفة السند، منسوخ العمل بها بآيات الجهاد وإجلاء اليهود من المدينة، بل من جميع أنحاء جزيرة الإسلام، مع ذلك فما زال البعض يستدل بما جاء فيها تبريرًا للاستكانة والخضوع والاستسلام للكفار من اليهود والنصارى ومن شايعهم.

4.من الشبه القذرة والحجج الواهية التي يتشبث بها البعض تبريرًا لما يبتغيه الكفار من بعض حكام المسلمين في بعض الجزئيات التي هي في الحقيقة من الكليات والثوابت، وهي تنفيذ الأحكام الشرعية على أساس شخصي، بأن هذه مسألة خلافية! فقد قال بجواز ذلك أحد الأئمة المقتدى بهم، فلماذا لا نأخذ بقوله؟ وما علم هذا القائل أن ماجاء به منكر من القول وزور، وأنه ليس كل خلاف يُستراح له ويعمل به، إذ أن الحق عند الله واحد لا يتعدد كما هو الراجح من أقوال المحققين من أهل السنة أمثال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن لا يحصى عددهم من أهل العلم المقتدى بهم، وأن الله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا باختلاف العلماء، وإنما تعبدنا باتباع الدليل، وأن ندور معه حيث دار، ولله در القائل:

*** إلا خلافًا له حظ من النظر

ولله در علماء السلف، مالك وغيره، عندما حذروا من الأقوال الشاذة والآراء الساقطة.

ورحم الله أبا حنيفة القائل: هذا رأيي، فمن جاءني برأي خير منه قبلته.

هذا بجانب العديد من المفاسد والمضار والنواقض التي يجرها الأخذ بهذا القول الشاذ، التي لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.

5.من التبريرات العجيبة التي يبرر بها لهذه التنازلات"مكره أخاك لا بطل"، ونحن نشهد الله حسب علمنا أنه لم يكره أحد من الحكام ولا غيره إكراهًا يبيح له مثل هذه التصرفات، وإن كان الراجح الثبات على المبادئ حتى عند الإكراه خوف القتل، كما فعل بلال، وعبد الله بن حذافة السهمي، وغيرهما كثير من المسلمين، ولكن: (من الناس من يعطي الدنية في دينه، وتفتنه المظاهر، أويخاف من شيء يصيبه، أويعجز أن تحمل ما نزل به، فيظهر غير الذي يبطن، ويوافق بلسانه على أشياء ينكرها قلبه، ولا يقرها إيمانه، وهذا من حب العاجلة، وضعف العزيمة، وقلة الصبر، والمداهنة التي يراد بها السلامة من الفتنة، أواستمالة قلب المجاهر بالمعصية، المتظاهر بالكفر والفسوق والعصيان، وقد يقول أحد: أنا لا أحب الشر، ولا أرضى لأحد بالكفر، ولكني أعجز عن إزالة المنكر، ولا أستطيع أن أجهر بما أعتقد من الحق، فأنا أنافق لأوافق، ولو تكلمت بالصدق ونطقت بالحق لعوديت وأذيت، ويالها من حجة ما أبردها، ويا له من دفاع ما أسخفه، وهبه كان معذورًا بالسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما عذره عند الله والناس في موافقته على الكفر وأعمال المشركين، وما حجته عند الله يوم يسأله عن الجهاد في سبيله والدفاع عن دينه، وربما يقول المفتون المداهن إن الله لم يتوعد بالعذاب الشديد من أكره بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن متى كان مكرهًا؟ وكيف حملوه على مجاملتهم والرضا بصنيعهم وهو حر في دينه؟ وليس بمحتاج إلى التقية التي أذن الله فيها بقوله:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير") .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت