قال القرطبي رحمه الله:(وقيل: الضمير في"يدخلونها"يعود إلى الثلاثة الأصناف، على ألاّ يكون الظالم هاهنا كافرًا، أوفاسقًا؛ وممن روي عنه هذا القول: عمر، وعثمان، وأبوالدرداء، وابن مسعود، وعقبة بن عمرو، وعائشة، والتقدير على هذا القول أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر.
و"المقتصد"قال محمد بن يزيد:هو الذي يعطي الدنيا حقها، والآخرة حقها، فيكون"جنات عدن يدخلونها"عائدًا على الجميع على هذا الشرح والتبيين، وروي عن أبي سعيد الخدري، وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ـ ورب الكعبة ـ وتفاضلوا بأعمالهم.
وقال أبواسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناجٍ؛ وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال:"كلهم في الجنة"؛ وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سابقنا سابق، ومقتصدنا ناجٍ، وظالمنا مغفور له".
ثم رجح هذا القول قائلًا: القول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله، لأن الكافر والمنافق لم يصطفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا اصطفى دينهم، وهذا قول ستة من الصحابة، وحسبك) .
على المسلمين جميعًا أن يتسابقوا في الخيرات، ويتنافسوا على المكرمات، ولا يرضوا بالدنيات، ولا ينبغي لأحد منهم أن يرضى أويقنع إلا بإحدى المنزلتين، منزلة السابقين فإن عجز فمنزلة المقتصدين فما منا من أحد يقوى على النار.
فالسابقون إلى الخيرات، الفائزون بجميع المكرمات، والحَالُّون أعلى الدرجات، هم المؤدون للواجبات، المتقربون بالنوافل والمندوبات، الممتنعون عن الشبه والمكروهات، دعك عن الكبائر والمحرمات.
أما المقتصدون فهم المؤديون للواجبات، المنتهون عن المحرمات، فإن كنت راغبًا في تلك الدرجات، وعازمًا على نيلها فاحذر أشد الحذر التهاون في المندوبات، المفضي
إلى ترك الواجبات، والتساهل في اقتراف المكروهات، والقرب من الشبهات، الباعث على فعل المحرمات.
ما تقرب متقرب إلى الله عز وجل بشيءٍ أحب إليه مما افترضه على عباده وجاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وما من شيءٍ تنال به محبة الله ورضاه أفضل من الإكثار من النوافل، وعدم الاقتصار على بعض الندوبات دون بعض.
صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه".
المراد بقوله عز وجل: كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله، يعني لا يسمع إلاََََّ ما أحل الله، ولا ينظر إلى ما حرَّم الله، ولا تنال يده محرمًا ولا يضرب أو يظلم بها أحدًا، ولا تمشي رجله وتسعى إلاَّ فيما يرضي الله ورسوله، وليس المراد أنَّه يسمع بسمع الله، وينظر بنظر الله، كما يقول أصحاب عقيدة الحلول والاتحاد، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في بيان أن أولياء الله على درجتين: مقتصدين وكمل: (أحدهما: المتقربون إليه بأداء الفرائض، وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين، وأداء الفرائض أفضل الأعمال كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرَّم الله، وصدق النية فيما عند الله عز وجل؛ وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك أن الله عز وجل إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم منه، ويوجب لهم رضوانه ورحمته) .
وأعظم الفرائض هي:
1.الصلوات الخمس، وأدائها للرجال مع جماعة المسلمين بخشوع، وخضوع، واطمئنان.
2.صوم رمضان.
3.إخراج الزكاة الواجبة.
4.تحكيم شرع الله في الرعية.
5.عدل الراعي في رعيته.
6.الجهاد في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن وجب عليهم.
7.بر الوالدين، وصلة الرحم، والإحسان إلى الجيران.
8.تعلم ما يجب على المرء تعلمه مما يجب عليه نحوربه، ورسوله، ومعرفة الحلال والحرام والتمييز بين السنة والبدعة.
أما الدرجة الثانية وهي درجة الأولياء الكمل فقال عنها ابن رجب: (درجة السابقين المقربين، وهم الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض الاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع،وذلك يوجب للعبد محبة الله) .
أفضل النوافل
1.السنن الرواتب قبل وبعد الصلوات المكتوبات، فقد صح عنه:"أن أول ما يحاسب به العبد بعد موته صلاته فإن صلحت فقد فازونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، ثم ينادي المولى عزوجل: هل لعبدي من نوافل ليتم به ما انتقض من صلاته؛ وهكذا سائر العبادات"، أوكما قال وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا مرض العبد أوسافر كُتب له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم".