من الأمور التي خالف فيها نفر من أهل السنة ما عليه عامتهم موضوع التثويب في أذان الصبح، هل يكون في الأذان الأول أم الثاني؟! فقد تعارف جل المسلمين في المملكة العربية السعودية وفي السودان وفي غيرهما من البلدان على أن التثويب لأذان الصبح يكون في الأذان الثاني، وقال هؤلاء النفر: بل التثويب لأذان الصبح يكون في الأذان الأول تمسكًا بظواهر بعض الأحاديث، وأحدث ذلك الخلاف شيئًا من الاضطراب لمن يجاورون تلك المساجد التي يلتزم أصحابها التثويب في الأذان الأول للصبح سيما في شهر رمضان، حيث يمسك البعض عن الأكل والشرب مباشرة ويمتنعون عن السحور إذا سمعوا المؤذن قال"الصلاة خير من النوم"لِمَا تعارفوا عليه أن هذه الكلمة لا تقال إلا في الأذان الثاني وعند بزوغ الفجر.
وبعد..
فهذا بحث عن"التثويب"عن تعريفه لغة واصطلاحًا، وعن أنواعه والتمييز بين سنيه وبدعيه، وعن حكمه ووقته في أذان الصبح، وعن أقوال أهل العلم ومذاهبهم وحججهم وتأويلهم للأحاديث الواردة في هذا الشأن، وعن أرجح الأقوال في ذلك.
والله أسأل أن يعينني على ذلك ويرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ويوفقنا للاستضاءة بنور الكتاب والسنة وللصدور عن فتاوى وتأويلات علماء الإسلام المقتدى بهم قديمًا وحديثًا، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، ويفقهنا وإياهم في الدين ويعلمنا التأويل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على إمام الهدى الهادي إلى سواء الصراط، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم ما تعاقب الليل والنهار.
تعريف التثويب
التثويب لغة
التثويب لغة أصله من ثاب الشيء إذا رجع، وثاب إلى عقله أي رجع عما كان عليه من الخطأ، وثوَّب الراعي أي كرر النداء، ومنها قيل للإقامة تثويب لأنها بعد الأذان، ومنه قيل لقول المؤذن"الصلاة خير من النوم"تثويب.
قال الخطابي: التثويب الإعلام بالشيء ووقوعه، وأصله أن الرجل إذا جاء فزعًا لوح بثوبه.
التثويب اصطلاحًا
التثويب في اصطلاح الشرع له ثلاثة معانٍ، اثنان سنيان والثالث بدعي، وهي:
1.الإقامة: ورد في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوِّب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا"، الحديث.
2.قول المؤذن في صلاة الصبح بعد"حي على الفلاح""الصلاة خير من النوم"مرتين.
وهذان هما المعنيان السنيان المستحبان.
3.قول بعض المؤذنين بين الأذان والإقامة:"حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة خير من النوم"، وذلك إذا استبطأوا مجيء الناس إلى الصلاة، أوتخصيص بعض الأمراء بعد الأذان بالذهاب إليهم في دورهم وتنبيههم بقول المؤذن:"حي على الصلاة حي على الفلاح يرحمك الله".
وهذا هو التثويب الذي كرهه عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وخرج بسببه ابن عمر من المسجد بعد الأذان، وكرهه كذلك مالك.
وقد أجازه أبو حنيفة رحمه الله، ولا ينهض عنده دليل على ذلك.
الدليل على التثويب في الفجر دون غيره
1.عن بلال رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر، ونهاني أن أثوِّب في العشاء"."
2.وعن ابن المسيب عن بلال:"أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر فقيل هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك".
3.وروى البيهقي والطبراني وغيرهما أن بلالًا رضي الله عنه قال: الصلاة خير من النوم حين وجد النبي صلى الله عليه وسلم راقدًا، فقال:"ما أحسن هذا يا بلال اجعله في أذانك".
قال الترمذي رحمه الله تحت باب"ما جاء في التثويب في الفجر": (وقد اختلف أهل العلم في تفسير التثويب، قال بعضهم: التثويب أن يقول في أذان الفجر:"الصلاة خير من النوم"، وهو قول"الصلاة خير من النوم"، وهو قول ابن المبارك وأحمد.
وقال إسحاق في التثويب غير هذا، قال: التثويب المكروه هو شيء أحدثه الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة:"قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح".
قال: وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والذي فسر ابن المبارك وأحمد: أن يقول المؤذن في أذان الفجر:"الصلاة خير من النوم"وهو قول صحيح، ويقال له"التثويب"أيضًا، وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه.
وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول في صلاة الفجر:"الصلاة خير من النوم".
وروي عن مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدًا وقد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوَّب المؤذن، فخرج ابن عمر من المسجد وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع؛ ولم يصل فيه.